الجيوسي: إذا كانت الاستثمارات ناجحة .. فلماذا لا يشعر بها الناس؟

mainThumb
الجيوسي: إذا كانت الاستثمارات ناجحة.. فلماذا لا يشعر بها الناس؟

02-06-2026 03:13 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - في خضم الحديث المتواصل عن الإنجازات الاقتصادية وجذب الاستثمارات الكبرى، تتصاعد أصوات تطالب بالانتقال من لغة الأرقام والإعلانات إلى لغة النتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وفي هذا السياق، أثار نائب رئيس هيئة مستثمري المنطقة الحرة، عامر الجيوسي، نقاشاً واسعاً بعد تساؤلاته المباشرة حول الجدوى الحقيقية من الاستثمارات التي يُعلن عنها باستمرار، قائلاً: "لا تحدثوني عن الإنجازات وجلب الاستثمارات المليارية، حدثوني عن النتيجة. هل انخفض الدين العام؟ هل توفرت وظائف جديدة؟ هل تحسنت معيشة المواطن؟".

هذه التساؤلات فتحت الباب أمام جدل اقتصادي واجتماعي يتكرر في العديد من الدول التي تعلن عن مشاريع واستثمارات ضخمة، بينما يبقى المواطن منشغلاً بأسئلة أكثر قرباً من واقعه اليومي، تتعلق بفرص العمل ومستوى الدخل وارتفاع الأسعار وقدرته على تلبية احتياجات أسرته.

مواطنون يرون أن معيار النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية لا يقاس بحجم الاتفاقيات الموقعة أو قيمة الاستثمارات المعلنة، بل بمدى انعكاسها على حياتهم. ويقول أحد العاملين في القطاع الخاص إن الأرقام الكبيرة التي تُتداول في المؤتمرات الاقتصادية تبدو بعيدة عن واقع الأسر التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، مضيفاً أن المواطن يريد أن يرى فرص عمل حقيقية ورواتب أفضل وخدمات أكثر جودة، لا مجرد بيانات صحفية تتحدث عن مليارات الدولارات.

ويشاركه الرأي متقاعد يؤكد أن المواطن البسيط لا يراقب مؤشرات الاستثمار بقدر ما يراقب أسعار السلع وفواتير الخدمات وكلفة المعيشة. ويرى أن النجاح الاقتصادي يجب أن يظهر في القدرة الشرائية للناس وفي شعورهم بتحسن أوضاعهم المعيشية، وليس فقط في التقارير الرسمية.

في المقابل، يدافع مؤيدون للسياسات الاقتصادية الحالية عن أهمية الاستثمارات باعتبارها خطوة أساسية نحو النمو والتنمية، مشيرين إلى أن نتائج المشاريع الكبرى لا تظهر بين ليلة وضحاها. ويقول أحد رجال الأعمال إن جذب رؤوس الأموال الأجنبية يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة النشاط التجاري والصناعي، لكنه يحتاج إلى وقت حتى ينعكس بشكل كامل على سوق العمل ومستويات الدخل.

ويؤكد مختصون اقتصاديون أن النقاش لا ينبغي أن يكون بين الاستثمار وتحسين معيشة المواطن، بل حول العلاقة بينهما ومدى فاعلية السياسات الحكومية في تحويل الاستثمارات إلى نتائج ملموسة. فبحسب خبراء، فإن نجاح أي اقتصاد لا يقاس فقط بحجم الأموال المستقطبة، وإنما بقدرته على تحويل هذه الأموال إلى مشاريع إنتاجية مستدامة توفر وظائف نوعية وتزيد الصادرات وترفع مستويات النمو الحقيقي.

ويرى بعض المراقبين أن المشكلة لا تكمن في جذب الاستثمارات بحد ذاته، بل في نوعية هذه الاستثمارات وأثرها المباشر على الاقتصاد المحلي. فهناك استثمارات قد تحقق أرباحاً مرتفعة دون أن تولد فرص عمل كافية أو تترك أثراً واسعاً على القطاعات الإنتاجية، في حين أن استثمارات أخرى قد تكون أقل حجماً لكنها أكثر قدرة على دعم التشغيل وتحفيز الاقتصاد المحلي.

من جهة أخرى، يعتقد محللون أن الدين العام ومستوى البطالة والقوة الشرائية للمواطن تشكل مؤشرات أكثر قرباً من تقييم الأداء الاقتصادي الحقيقي. ويشيرون إلى أن المواطن العادي يحكم على نجاح السياسات الاقتصادية من خلال واقعه اليومي، فإذا استمرت معدلات البطالة مرتفعة أو بقيت الضغوط المعيشية قائمة، فإن الحديث عن الإنجازات الاقتصادية قد لا يجد الصدى المتوقع لدى الرأي العام.

وفي خضم هذا الجدل، تبدو تصريحات الجيوسي معبرة عن تساؤل يتردد على ألسنة كثيرين: ما قيمة الأرقام الكبيرة إذا لم تنعكس على حياة الناس؟ فبينما تؤكد الحكومات والجهات الاقتصادية أهمية جذب الاستثمارات بوصفها محركاً للنمو، يطالب المواطنون بمؤشرات أكثر وضوحاً ترتبط بتحسن مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي للأسرة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية المطاف: هل يكفي الإعلان عن المليارات والمشاريع الكبرى لإقناع الشارع بنجاح السياسات الاقتصادية، أم أن الحكم النهائي سيظل مرهوناً بما يلمسه المواطن في دخله وفرصه المعيشية وجودة حياته اليومية؟ وهو سؤال لا يزال محور نقاش بين مؤيدين يرون في الاستثمارات بوابة للمستقبل، ومعارضين يعتبرون أن المعيار الحقيقي لأي إنجاز اقتصادي هو أثره المباشر على الإنسان قبل أي شيء آخر.