أخبار اليوم - في مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، لكل زاوية وكل شارع قصة صمود يتناقلها الناس. ومن بين هذه القصص الحاضرة في قلوب سكان المخيم، قصة فرقة "مداحي جباليا". هذه الفرقة لم تكن مجرد مجموعة تؤدي الأناشيد الدينية، بل كانت مصدر طاقة وأمل للناس في أصعب الأوقات. الفرقة كانت تتكون من أربعة أشقاء من عائلة أبو مطر، هم: نبيل، ويوسف، وبراء، ومحمد، إضافة إلى صديق عمرهم وجارهم عماد أبو المعزة.
اليوم، لم يتبقَ من هذه الفرقة كاملة سوى شاب واحد يعيش بقلب جريح لكن بعزيمة لا تنكسر؛ إنه الشاب محمد أسامة أبو مطر، البالغ من العمر 32 عاماً، والذي يلقبه أهالي المخيم اليوم بـ "الصوت الجريح". محمد هو الناجي الوحيد من هذه الفرقة، بعد أن استهدف الاحتلال الإسرائيلي إخوته وأصدقاءه ليحرم المخيم من أصواتهم الجميلة، لكنه لم يستطع أن يحرمهم من الأثر الذي تركوه.
يتحدث محمد لصحيفة "فلسطين" وعيناه تستذكران أياماً جميلة جمعته بإخوته في أزقة المخيم قبل أن تبدأ حرب الإبادة والدمار. يقول محمد: "لقد تربينا جميعاً منذ الصغر على حب المديح النبوي والترانيم الروحانية التي تريح القلوب. كنا نجتمع دائماً في السهرات الإيمانية، ونحيي حفلات الزفاف لأبناء المخيم مجاناً، ونطوف بين بيوت الجيران في المناسبات الدينية مثل ذكرى الإسراء والمعراج والمولد النبوي، لننشر الفرحة بين الناس".
استخدام الصوت سلاحًا
عندما بدأت الحرب الشرسة على قطاع غزة، وبدأ القصف العنيف يستهدف كل مكان في مخيم جباليا، اتخذت الفرقة قراراً جماعياً بالصمود وعدم النزوح. لم يكتفِ الإخوة بالصمود الصامت، بل قرروا استخدام موهبتهم وأصواتهم كسلاح لرفع معنويات الناس وتثبيت قلوبهم الخائفة.
ويتذكر محمد إحدى أبرز محطات التحدي للفرقة خلال عام 2024: "في عز القصف والدمار، نزلنا وسط شارع الهوجا الشهير في مخيم جباليا، وأقمنا جلسة مديح نبوي في الهواء الطلق. ورغم أن الطائرات كانت في السماء وصوت الانفجارات لم يتوقف، إلا أن المئات من رجال وشباب وأطفال المخيم تجمعوا حولنا. بدأنا نمدح الرسول والناس تردد خلفنا بحماس وتكبير. كانت تلك الجلسة رسالة واضحة للاحتلال أننا لا نخاف، ومن بقي حياً من أبناء جباليا حتى اليوم لا يزال يذكر تلك الليلة ويهتف بذكرها".
هذا المشهد، كما يوضح محمد، هو الذي أغاظ الاحتلال الإسرائيلي وجعله يستشيط غضباً؛ كيف يمكن لشعب يقع تحت القصف والدمار المستمر أن يمتلك هذا الثبات الروحي العجيب، وأن يغني ويمدح ويصمد في أرضه؟ لذلك، وضع الاحتلال أفراد هذه الفرقة في دائرة الاستهداف لمحو هذا الصوت الذي يثبت الناس.
مجزرة مروعة
دفع محمد وعائلته ثمناً باهظاً جداً مقابل هذا التحدي. ففي بداية حرب الإبادة، ارتكب جيش الاحتلال مجزرة مروعة في المربع السكني الذي تعيش فيه العائلة بمخيم جباليا، حيث سقط أكثر من 80 شهيداً في ضربة جوية واحدة وبصاروخ مدمر. في تلك اللحظة القاسية، ارتقى شقيقا محمد: يوسف وبراء، ومعهما صديقهم الوفي عماد أبو المعزة.
ولم تتوقف فصول المعاناة هنا؛ فبعد شهرين فقط من هذه الفاجعة، استشهد الشقيق الثالث نبيل، ليلحق بإخوته، وزاد الأمر وجعاً أن جثته لم يُعرف مكانها حتى هذه اللحظة ولم تتمكن العائلة من دفنها بسبب تدمير المقابر وصعوبة الأوضاع الميدانية.
يقول محمد بمرارة يغلفها الصبر: "لقد فقدت كل شيء في لحظة؛ إخوتي الذين كانوا سندي وأصدقائي في الفرقة. اليوم أحاول في كل جلسة أن أتحدث عنهم، وأن أستعرض نقاط القوة والموهبة التي كان يمتلكها كل واحد منهم. نبيل كان له أسلوبه، ويوسف كان يمتلك خامة صوت مميزة، وبراء وعماد كانا يضيفان روحاً خاصة للفرقة. أنا لا أريد لذكراهم أن تموت".
على الرغم من كل هذا الوجع والألم العنيف الذي يعتصر قلبه كونه الناجي الوحيد، إلا أن محمد ضرب على نفسه عهداً غليظاً ألا يتوقف أبداً عن الإنشاد والمديح. يرى محمد أن استمراره في المديح ليس مجرد هواية، بل هو واجب وطني وأخلاقي للمحافظة على إرث أشقائه الثلاثة وصديقهم، وإكمال الطريق التي بدؤوها معاً في تثبيت الناس ونشر الطمأنينة.
استمرار المديح
اليوم، ورغم تواصل الحرب والحصار والنزوح، يواصل محمد التنقل بصوته الجريح بين تجمعات المواطنين، يمدح الرسول ويذكر الناس بالصبر والثبات، ويعيد البسمة إلى وجوه الأطفال المتعبين من الموت والدمار.
ويختم محمد حديثه بكلمات بسيطة قريبة من القلب تحمل أمل كل فلسطيني في غزة: "رغم الفقد والدموع، ورغم أنني أصبحت وحيداً بدون إخوتي، إلا أنني سأستمر في نشر الفرح والطمأنينة والمديح بين الناس. لن ينقطع هذا الصوت ما دمت حياً. وكل رجائي من الله أن يهدأ البال، وتنتهي هذه الحرب، ونعود جميعاً إلى مخيمنا الغالي مخيم جباليا، لأطوف بين الشوارع والبيوت، وأمدح المصطفى وسط الناس الطيبين من جديد".
المصدر / فلسطين أون لاين