اخبار اليوم - لم يعد همّ النازحة أم فارس محمد، يقتصر على توفير لقمة الطعام أو جرعة مياه نظيفة لأطفالها، بل باتت تخشى اقترابهم من أطفال الخيام المجاورة بعدما انتشرت على أجساد كثير منهم بثور حمراء مصحوبة بحمى شديدة وحكة مؤلمة، في مشهد يتكرر يومًا بعد آخر داخل مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة.
في مساحات ضيقة تعيش عشرات العائلات متلاصقة داخل خيام صنعت من أقمشة مهترئة وأغطية بلاستيكية، في حين تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات النظافة والمياه والصرف الصحي، وهي ظروف يقول مختصون إنها تشكل بيئة مثالية لانتقال الأمراض المعدية، وعلى رأسها جدري الماء الذي بدأ ينتشر بوتيرة متسارعة بين النازحين.
وحذّرت الأمم المتحدة، مؤخرًا، من تفشٍ واسع وسريع لمرض جدري الماء داخل مخيمات ومراكز إيواء النازحين في غزة، مع استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي.
وتؤكد المنظمة الدولية أن الاكتظاظ الشديد داخل المخيمات، إلى جانب نقص المياه النظيفة ومواد النظافة الشخصية، وصعوبة عزل المصابين، عوامل ساهمت في تسارع انتشار العدوى بين مختلف الفئات العمرية، ولا سيما الأطفال الذين يشكلون النسبة الأكبر من الإصابات.
وتقول أم فارس لصحيفة "فلسطين"، وهي أم لخمسة أطفال نزحت أكثر من مرة منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023: إن أبنائها جميعًا أصيبوا بالمرض خلال أيام قليلة، بينما تخشى أن تؤثر العدوى على حياتهم لاسيما أن هذا المرض يسبب ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة.
وتضيف، أن الحمى الشديدة والحكة تمنع أطفالها من النوم، فيما تعجز عن تخفيف معاناتهم بسبب نقص الأدوية وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية، موضحة أن الخيمة التي تؤوي أسرتها لا تسمح بعزل أي طفل مريض عن أشقائه.
ولا تختلف معاناة عائلة نهلة جلال كثيرًا، إذ أصيب أطفالها بالمرض في وقت واحد، بعدما كانوا يلعبون مع أطفال آخرين داخل مخيم للنازحين في وسط مدينة غزة.
وتقول لـ"فلسطين": إن الخيمة أصبحت أشبه بغرفة مرضى، بينما يقضي أطفالها ساعات طويلة في البكاء بسبب الحكة وارتفاع درجات الحرارة، مضيفة أنها ذهبت إلى المستشفى واكتفى الأطباء بتقديم نصائح عامة وبعض المسكنات بسبب محدودية الأدوية.
ويرى أطباء أن جدري الماء، بالرغم من كونه مرضًا شائعًا ويمكن السيطرة عليه في الظروف الطبيعية، يصبح أكثر خطورة في بيئات النزوح المكتظة، خاصة مع انتشار سوء التغذية وضعف المناعة بين الأطفال، وغياب الرعاية الصحية الكافية.
وبحسب قولهم، فإن استمرار الحرب وتقييد دخول الأدوية والمستلزمات الطبية يزيدان من صعوبة احتواء المرض، خصوصًا مع عجز المراكز الصحية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.
ويؤكد عاملون في الإغاثة داخل المخيمات، أن الفرق الميدانية ترصد يوميًا حالات جديدة، بينما تفتقر المخيمات إلى أماكن مخصصة لعزل المصابين أو توفير رعاية خاصة للأطفال، الأمر الذي يجعل السيطرة على انتشار المرض أكثر تعقيدًا.
وأعلنت مجموعة الصحة التابعة للأمم المتحدة، في بيان تلقت "فلسطين" نسخة عنه، تسجيل نحو 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط، جرى الإبلاغ عنها من خلال أكثر من 130 منشأة صحية، فيما تركز أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة.
ووفق البيان، أرجعت المنظمات الشريكة في القطاع الصحي هذا الارتفاع إلى تدهور الظروف البيئية، والاكتظاظ الشديد، والثغرات في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب تأثير فصل الصيف، مؤكدة أنها تواصل تقديم مضادات الهيستامين والمضادات الحيوية وخافضات الحرارة وغيرها من الأدوية الأساسية للمصابين.
وأوضح البيان أن تفشي جدري الماء يأتي في ظل أوضاع إنسانية صعبة، إذ يضم قطاع غزة نحو 1600 موقع لإيواء النازحين تستضيف ما يقارب 1.7 مليون شخص، في حين تغطي مجموعة إدارة المواقع نحو 34 بالمئة فقط من هذه المواقع، ما يترك أعدادًا كبيرة من الأسر النازحة دون متابعة أو دعم منتظم.
فلسطين أون لاين