صالح الشرّاب العبادي
إن تطوير التعليم هدفٌ وطني لا يختلف عليه اثنان، لكن التحديث الحقيقي لا يعني التفريط بالثوابت، ولا يكون على حساب الهوية الدينية والثقافية واللغوية للمجتمع ، فالتحدي يكمن في تحقيق التوازن بين مواكبة متطلبات العصر، والحفاظ على الركائز التي تصنع شخصية الإنسان وانتماءه وقيمه، ليبقى التعليم مشروعًا لبناء الأوطان، لا وسيلة لاقتلاع جذورها
في كل مرة تُثار فيها دعوات لتقليص حصص التربية الإسلامية أو الانتقاص من مكانة اللغة العربية في المناهج الدراسية، فإن القضية لا تتعلق بمجرد تعديلٍ في الخطة التعليمية، بل تمس جوهر الهوية الوطنية والثقافية والحضارية للأمة. فالأمم لا تُبنى بالعلوم التطبيقية وحدها، مهما بلغت أهميتها، وإنما تُبنى أيضًا بمنظومة القيم والأخلاق، وباللغة التي تحفظ تاريخها وثقافتها وذاكرتها الجمعية.
لقد جعل الله تعالى الإسلام منهجًا للحياة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. ومن هنا، فإن التربية الإسلامية ليست مادةً دراسيةً هامشية، وإنما هي ركيزة في بناء الضمير الإنساني، وغرس قيم الصدق والأمانة والعدل والانتماء واحترام الإنسان والنظام والقانون.
وفي المقابل، فإن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء القرآن الكريم، ولسان الحضارة العربية والإسلامية، والجسر الذي يصل الأجيال بتاريخها وتراثها. ولذلك فإن حصص التربية الإسلامية واللغة العربية، بما تتضمنه من آداب وبلاغة ونحو وصرف، تمثل خطين أساسيين متوازيين لا يجوز المساس بهما أو الانتقاص من حضورهما في أي مرحلة من مراحل التعليم. فالدين يُفهم بلغته، واللغة تكتسب مكانتها بحملها رسالة الدين والثقافة والحضارة، وأي إضعاف لإحداهما هو إضعاف للأخرى. إن الحفاظ على مكانة هاتين المادتين وتعزيز حضورهما في المناهج ليس ترفًا تربويًا، بل هو ضرورة وطنية وثقافية وحضارية لضمان تخريج أجيال معتزة بدينها، راسخة في هويتها، وقادرة على مواكبة العصر دون التفريط بثوابتها.
ومن المؤسف أن يتكرر بين الحين والآخر خطابٌ يُشيطن الدين الإسلامي أو يربطه بالإرهاب والعنف، في تجاهلٍ لحقيقة أن الإسلام بريء من كل اعتداء على الأبرياء أو انتهاك لحرمة الإنسان. فالإسلام لم يكن يومًا دين قتلٍ أو كراهية، وإنما جاء رحمةً للعالمين، ونشر قيم العدل والتسامح والتكافل وصيانة الكرامة الإنسانية. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]، كما قال جل شأنه: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. إن إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام بسبب ممارسات جماعات أو أفراد يخالف جوهر تعاليمه، كما أنه يتجاهل أن التطرف والعنف ظواهر عرفتها أمم وثقافات متعددة، ولا يجوز نسبتها إلى دين بأكمله.
ولقد كرم الإسلام الإنسان من حيث هو إنسان، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وأرسى قواعد العدالة والمساواة في الكرامة الإنسانية، وأعطى كل ذي حق حقه. كما رفع مكانة المرأة، وصان كرامتها، ومنحها حقوقها في الإرث والتملك والتعليم والعمل المشروع والذمة المالية المستقلة، بعد أن كانت في كثير من المجتمعات تُحرم من أبسط حقوقها. فالمرأة في الإسلام ليست سلعةً تُستغل، ولا وسيلةً للإعلان أو الابتذال، وإنما هي أمٌ ومربيةٌ وشريكةٌ في بناء الأسرة والمجتمع، لها من الحقوق ما يصون كرامتها، وعليها من الواجبات ما يحقق التوازن والاستقرار الاجتماعي.
ولا أحد يعترض على تطوير المناهج أو تحديث أساليب التدريس، فهذا مطلب تربوي مشروع تفرضه متغيرات العصر، لكن التطوير يختلف جذريًا عن التقليص أو التهميش. فالتطوير يعني الارتقاء بالمحتوى وطرائق التعليم، أما إضعاف المواد التي تشكل هوية المجتمع فلا يمكن اعتباره إصلاحًا، بل يثير تساؤلات مشروعة حول آثاره بعيدة المدى على منظومة القيم والانتماء.
كما أن الاستجابة غير المدروسة للضغوط الخارجية أو لبعض التوصيات الصادرة عن جهات ومنظمات دولية، عندما تُفهم على أنها تمس الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمعات، تستوجب نقاشًا وطنيًا مسؤولًا. فالمساعدات والمنح ينبغي أن تكون وسيلة لدعم التنمية والتعليم، لا مدخلًا لإعادة تشكيل هوية المجتمعات أو التأثير في منظومتها القيمية. والسياسات التعليمية الرشيدة تُبنى وفق احتياجات المجتمع وثوابته ومصلحته الوطنية، مع الانفتاح على الخبرات العالمية دون التفريط بالمرتكزات الأساسية.
كما أن الدعوات التي تسعى إلى إعادة صياغة الدين أو دمجه بمرجعيات فلسفية أو أيديولوجية أخرى تتجاهل أن الإسلام، في عقيدته وتشريعاته، دينٌ مكتمل لا يحتاج إلى إعادة تشكيل أو مواءمة تمس ثوابته، وإنما يدعو إلى الحوار والتعايش واحترام الإنسان مع الحفاظ على أصوله العقدية وقيمه الراسخة.
ومن الخطأ أيضًا اختزال الصراعات الدولية المعاصرة في كونها حروبًا دينية أو عقائدية فقط، لأن الواقع يؤكد أن كثيرًا منها تحكمه اعتبارات جيوسياسية واقتصادية تتعلق بالنفوذ، والطاقة، والممرات البحرية، والمضائق الإستراتيجية، وسلاسل الإمداد، وهي جميعًا تمثل شرايين الاقتصاد العالمي. ولأن المنطقة العربية والإسلامية تتوسط هذه الممرات وتمتلك جانبًا مهمًا من موارد الطاقة والمواقع الإستراتيجية، فقد أصبحت محورًا للتنافس بين القوى الكبرى، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والسياسية، بينما تُستخدم الشعارات الأيديولوجية أو الدينية أحيانًا لتبرير أهداف تتجاوز أسبابها المعلنة.
إن بناء الإنسان الواعي، المتمسك بدينه، المعتز بلغته، والمنفتح على العلوم الحديثة، هو الضمانة الحقيقية لمستقبل الأوطان. فالتقدم العلمي لا يتعارض مع ثبات الهوية، والنهضة لا تتحقق بإضعاف القيم، بل بإيجاد التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين الإبداع والالتزام، وبين الانفتاح على العالم والاعتزاز بالثوابت. فالأمم التي تعرف من تكون، وتحافظ على لغتها وقيمها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها، مهما اشتدت عليها التحديات.
إن الأمم لا تبدأ رحلة الانهيار عندما تخسر معركةً عسكرية أو أزمةً اقتصادية، بل عندما تتخلى تدريجيًا عن منظومتها القيمية، وتضعف صلتها بلغتها، وتفرط في هويتها وثوابتها. فالاستثمار الحقيقي ليس في الحجر ولا في التكنولوجيا وحدها، وإنما في بناء الإنسان؛ الإنسان المؤمن بقيمه، المعتز بلغته، الواعي لتاريخه، والمنفتح على معارف عصره دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والحضارية. ومن هنا، فإن المحافظة على مكانة التربية الإسلامية واللغة العربية في مناهجنا ليست قضية تعليمية فحسب، بل هي قضية أمن وطني، وأمن فكري، وحماية للهوية، واستثمار في مستقبل الدولة والمجتمع. فالأوطان التي تحصّن عقول أبنائها بالعلم، وتزكي نفوسهم بالقيم، وتصون هويتهم من الذوبان، هي الأقدر على مواجهة التحديات وصناعة نهضتها، أما التفريط بهذه الركائز فلن يصنع جيلاً أكثر تقدمًا، بل جيلاً أكثر اغترابًا عن ذاته، وأقل قدرة على الدفاع عن وطنه وهويته ورسالة أمته.