أخبار اليوم - لم يكن صباح الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يوماً عادياً في حياة محمد الديب. خرجت طفلته زينب متجهة إلى متجر قريب من منزلهم، في حين كانت الحياة في الحي تسير تحت وقع القصف المتواصل. في لحظات، استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً مجاوراً، لتتحول الدقائق التالية إلى بداية رحلة بحث ما زالت مستمرة حتى اليوم.
يروي والدها محمد الديب أن القصف باغت الجميع، وأنه خرج بنفسه من تحت الأنقاض، في حين كانت زينب قد اختفت تماماً عن الأنظار. ويقول إنه توجه مباشرة إلى المستشفى، وبحث عنها يومين كاملين بين أقسام الطوارئ والمصابين، دون أن يجد لها أي أثر.
وبينما كان اليأس يتسلل إلى قلبه، جاءه أول خيط للأمل من أحد الجيران، الذي تعرف إلى صورة زينب وأخبره أنه شاهدها بعد إصابتها، وأنها نُقلت بسيارة إسعاف وكانت حالتها جيدة نسبياً.
شهادات متطابقة
يؤكد محمد لصحيفة "فلسطين" أن تلك المعلومة لم تكن الوحيدة، بل تلتها شهادات عديدة من أشخاص قالوا إنهم رأوا زينب بعد إصابتها. ويشير إلى أن أحد الصحفيين أخبره بأنه سمع الطفلة وهي تردد اسمها واسم والدتها داخل المستشفى.
ويضيف أن العائلة واصلت البحث لدى الجهات المختصة، كما التقت بممرضات كن يعملن في المستشفى وقت وصول المصابين. وتعرفت إحدى الممرضات على صورة زينب، مؤكدة أنها كانت بجوارها، لكنها لا تعلم ماذا حدث لها بعد ذلك.
أما ممرضة أخرى، فما إن رأت الصورة حتى قالت إنها عالجت زينب بنفسها، وإن إصابتها لم تكن خطيرة، لكنها غادرت المستشفى مع إحدى العائلات، دون أن تعرف هوية تلك العائلة أو المكان الذي ذهبت إليه.
ويشير الأب إلى أن شخصاً آخر أوقفه خلال رحلة البحث، وأخبره أنه عرض صورة زينب على أطباء وممرضين، فتعرفوا إليها وأكدوا أنها كانت مصابة، وتلقت العلاج، ثم خرجت مع أشخاص لا يعرفهم أحد.
وخلال رحلة البحث، لم تتوقف معاناة العائلة عند حدود الغموض، إذ يقول محمد إن أشخاصاً تواصلوا معهم عبر تطبيق "واتساب"، مدعين امتلاك معلومات عن الطفلة، في محاولة لابتزازهم، الأمر الذي دفعهم إلى إبلاغ الجهات المختصة.
ويؤكد أن الأشهر الأولى بعد فقدانها كانت مليئة بالتنقل بين المستشفيات ومراكز الإيواء ومناطق النزوح، على أمل العثور على أي معلومة تقود إليها، إلا أن جميع المحاولات انتهت دون نتيجة.
وفاة بلا دليل
وعلى الرغم من غياب أي جثمان أو دليل يؤكد وفاتها، أُصدرت شهادة وفاة لزينب بعد النزوح الأول. ويوضح والدها أن جد الطفلة سُئل عن مصيرها، فأكد أنه لم يعثر على جثمانها أو أي أثر لها في المكان. وبناءً على إفادته، قدّرت الجهات المختصة أن زينب ربما تبخرت بفعل شدة القصف، فأصدرت شهادة وفاة لها، وفق والدها.
ويؤكد أن ذلك زاد من معاناة الأسرة، خاصة أن غياب أي دليل مادي على وفاتها، إلى جانب إفادات شهود قالوا إنهم شاهدوها حية بعد إصابتها، أبقى الأمل قائماً لدى العائلة في العثور عليها وكشف مصيرها.
ورغم مرور أكثر من عامين على اختفاء زينب، لا يزال محمد الديب يعيش بين الأمل والوجع، ويؤكد أن أصعب ما يواجهه هو الغموض، قائلاً إنه لو كان يعرف أنها استشهدت ودفنت، لوجد شيئاً من السكينة، أما استمرار اختفائها دون معرفة مصيرها فهو الألم الأكبر.
ويقول: "لو دفنتها كنت سأقول رحمها الله، لكن حتى اليوم لا أعرف أين بنتي. كل ما أريده أن أصل إلى الحقيقة، سواء كانت حية أو استشهدت، فأنا راضٍ بقضاء الله، لكن أريد أن أعرف مصيرها."
وتبقى قصة زينب الديب واحدة من عشرات قصص الأطفال المفقودين في قطاع غزة، الذين اختفوا وسط الفوضى التي رافقت القصف، وعمليات الإخلاء، والانهيار الذي أصاب المنظومة الصحية، لتظل عائلاتهم معلقة بين الأمل والانتظار، في غياب إجابات حاسمة تكشف ما حدث لأبنائهم.
المصدر / فلسطين أون لاين