الشرق الأوسط .. سياسة ردع أم بداية الانفجار .. هل تدخل المنطقة مرحلة الحرب الشاملة من الصراع؟

mainThumb
الشرق الأوسط .. سياسة ردع أم بداية الانفجار .. هل تدخل المنطقة مرحلة الحرب الشاملة من الصراع؟

27-07-2026 12:52 PM

printIcon

من حرب محدودة إلى انفجار شامل


لم يعُد الشرق الأوسط في مواجهة جولة عنف عابرة، بل أمام منعطف تاريخي قد يُعيد رسم خارطة المنطقة بأكملها، ما بدأ كصراع محدود بين الولايات المتحدة وإيران سرعان ما تحول إلى ساحة مفتوحة للإنتقام، حيث أصبحت البنية التحتية المدنية في دول الخليج والأردن أهدافاً مشروعة في معادلات الردع الجديدة، هذا التوسع الجغرافي والنوعي في العمليات العسكرية يحمل في طياته مؤشرات خطيرة على أن المرحلة القادمة ليست مجرد تصعيد تكتيكي، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة برمتها، فإيران، التي أدركت أن محور المقاومة لم يعد قادراً على ردع الولايات المتحدة وإسرائيل، وجدت في إغلاق مضيق هرمز واستهداف حلفاء واشنطن ورقة ضغط جديدة لا تقل خطورة عن البرنامج النووي، وفي المقابل، تلوح واشنطن بخيارات عسكرية متصاعدة تتراوح بين الضربات الجوية والعمليات البرية المحدودة، مما يضع المنطقة على حافة الهاوية.

مأزق الردع وحسابات التصعيد المتبادل
في لعبة التوازن الهش هذه، تتبنى إيران استراتيجية "التصعيد المحدود" لحسابات دقيقة، معتقدة أن الضربات الموجعة على مصالح أميركا وحلفائها يمكنها استعادة الردع دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، هذا المنطق الخطير يفسر الهجمات المتكررة على منشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية في دول الخليج والأردن، لكن المشكلة أن هذا الحساب يقوم على افتراض أن واشنطن ستتراجع، وهو افتراض قد ينقلب إلى كابوس إذا ما قررت الإدارة الأميركية الرد بشكل غير متوقع، من جهة أخرى، تدرك إيران جيداً أن السيطرة على مضيق هرمز هي الورقة الرابحة التي لا يمكن التخلي عنها، وقد أظهرت الحرب أن طهران مستعدة لتجربة خيارات لم تكن مطروحة سابقاً، هذا الجمود في حسابات الردع يجعل من أي حادثة عرضة للانزلاق نحو مواجهة لا يمكن السيطرة عليها، خاصة مع وجود لاعبين إقليميين يتصارعون على النفوذ ومصالح متشابكة لا تحتمل المزيد من الاضطراب.

المواقف الحكيمة والثابتة لجلالة الملك عبدالله الثاني
في خضم هذه العاصفة، يبرز الدور الأردني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني كصوت عقل وثبات، يجمع بين الحكمة في التعامل مع التداعيات والجرأة في حماية السيادة الوطنية، فمنذ اللحظة الأولى للتصعيد، لم يتردد جلالته في إدانة الهجمات التي طالت الأراضي الأردنية، مؤكداً أن المملكة ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسلامة مواطنيها، وفي اتصالاته المكثفة مع القادة العرب والأوروبيين، شدد جلالته على رفضه القاطع لأي أعمال تقوض سيادة الدول العربية، داعياً إلى ضبط النفس والحوار كسبيل وحيد لتجاوز الأزمات، هذه المواقف ليست مجرد ردود فعل لحظية، بل تعكس استراتيجية متكاملة تضع الأردن في موقع الوسطية، حيث يجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية والانحياز للقضية الفلسطينية، محذراً من أن استمرار الحرب على غزة والضفة الغربية يقوض أي فرصة لإحياء عملية السلام، إن جرأة جلالته في قول الحقيقة للعالم، مع التمسك بالثوابت الأردنية، تجعل من عمان شريكاً موثوقاً في أي معادلة إقليمية مستقبلية.

التداعيات الكارثية على دول الجوار
ما يجري اليوم يتجاوز مفهوم "الحرب بالوكالة" إلى واقع مؤلم تدفع ثمنه دول لم تكن طرفاً في الصراع، فالهجمات الإيرانية التي طالت محطات تحلية المياه في الكويت، وأنظمة الملاحة الجوية في البحرين، ومنشآت الطاقة في قطر، ومنطقة العقبة في الأردن، كشفت عن تحول خطير في طبيعة المواجهة، لم يعُد هناك حدود فاصلة بين الأهداف العسكرية والمدنية، مما يهدد أمن الطاقة والمياه في المنطقة بأكملها ويخلق أزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، هذه التطورات تجعل من الواضح أن دول الخليج والأردن أصبحت في مرمى النيران الإيرانية، ليس بسبب مواقفها السياسية، بل لكونها حلفاء للولايات المتحدة وموقعاً لقواعدها العسكرية، وهذا يعني أن أي تصعيد مستقبلي سيكون له ثمن باهظ على استقرار هذه الدول، مما يستدعي إعادة النظر في استراتيجيات الأمن الجماعي والدفاع المشترك، تحسباً لسيناريوهات قد تكون أكثر قسوة مما نشهده اليوم.

هل الإنهيار وشيك أم لا يزال هناك متسع للحل؟
على الرغم من كل هذه المؤشرات المقلقة، يرى بعض المحللين أن المنطقة لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، إذ لا تزال هناك قنوات دبلوماسية تعمل، وإن كانت باهتة، عبر وسطاء مثل سلطنة عُمان وقطر، فيما تظهر تصريحات الطرفين استعداداً متبادلاً للتفاوض تحت وطأة التصعيد العسكري، لكن المشكلة تكمن في أن الاتفاقات الهشة التي تم التوصل إليها، بما في ذلك مذكرة التفاهم الأخيرة، لم تدم طويلاً وسرعان ما انهارت بسبب الخلافات الجوهرية حول حرية الملاحة في هرمز، هذا النمط المتكرر من الوعود المنقوصة يخلق حالة من عدم الثقة تجعل من أي اتفاق جديد مجرد هدنة مؤقتة، وليس حلاً دائماً، والأخطر من ذلك، أن استمرار حالة "لا حرب ولا سلام" تمنح إسرائيل غطاءً لمواصلة سياساتها التوسعية في الضفة الغربية وتهديد الاستقرار في لبنان، مما يضيف بعداً جديداً للصراع ويجعل احتوائه أكثر تعقيداً.

في الختام ... إن ما يواجهه الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد أزمة عابرة يمكن إدارتها بأساليب تقليدية، بل هو مرحلة تحول جذري في بنية الصراع الإقليمي، حيث أصبحت حسابات الردع والتصعيد تتجاوز قدرة أي طرف على التحكم بها بشكل كامل، السياسة الإيرانية التي تراهن على "التصعيد المُدار" لإعادة تعريف توازن القوى، والسياسة الأميركية المترددة بين الرغبة في الردع والخوف من الانزلاق إلى حرب جديدة، تخلقان فضاءً خطيراً من عدم اليقين، وفي هذا الفراغ الاستراتيجي، تدفع الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن، الثمن الأغلى، إن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء استراتيجية عربية جديدة، لا تقوم فقط على التصدي للتداعيات، بل على إعادة صياغة المعادلة الإقليمية بما يضمن عدم تحويل أوطاننا إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، فإما أن ننتقل معاً إلى مرحلة ردع إقليمي متوازن، وإما أن نكون شهوداً على انفجار قد لا يبقي ولا يذر.

توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية
1. تعزيز منظومة الدفاع الجوي باستكمال بناء قدرات دفاع جوي متكاملة تغطي كافة الأراضي الأردنية، بالتعاون مع حلفاء موثوقين، لمواجهة أي تهديدات صاروخية أو بطائرات مسيرة، مع التركيز على حماية البنية التحتية الحيوية كمنطقة العقبة ومصادر الطاقة والمياه.
2. تفعيل الدبلوماسية الاستباقية بإنشاء تحالفات إقليمية ودولية مرنة، لا تقتصر على التنسيق الأمني، بل تشمل بناء آليات سياسية مشتركة للتعامل مع الأزمات، والاستفادة من العلاقات الأردنية المتوازنة مع جميع الأطراف لتكون وسيطاً نزيهاً في أي مفاوضات مستقبلية.
3. تطوير الأمن القومي المتكامل ليشمل الأمن المائي والغذائي والطاقي، عبر تنويع مصادر التزويد وبناء مخزونات استراتيجية تكفي لفترات طويلة من الطوارئ، وكسر أي احتكار محتمل من جهات خارجية.
4. تحديث عقيدة الردع الوطنية بالعمل على بناء قدرات أردنية رادعة تحمي السيادة الوطنية، ليس بالضرورة من خلال التسلح التقليدي فقط، بل عبر شراكات استراتيجية تجعل من المساس بالأردن تكلفة عالية على المعتدي، مع الحفاظ على الموقف الدبلوماسي الحكيم للأردن.
5. إطلاق استراتيجية إعلامية مقاومة للاختراق من خلال حملات إعلامية أردنية وعربية موحدة، تشرح بأدلة ملموسة تبعات التصعيد الإقليمي على المدنيين والبنية التحتية، ومخاطر تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة، تستهدف الرأي العام العالمي والمنظمات الدولية.