أخبار اليوم - خيّم البكاء على مشرحة مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، في حين اصطف أفراد عائلة الهمص لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثامين محمود زكي الهمص (37 عامًا)، وزوجته فاطمة فهمي الهمص (37 عامًا)، ونجلهما أحمد (5 أعوام)، الذين ارتقوا من جراء قصف إسرائيلي استهدف خيمة تُؤويهم في منطقة مواصي القرارة شمال المدينة.
وبين دموع الأمهات وعويل الأقارب، حمل المشهد وجع عائلة فقدت ثلاثة من أحبائها في لحظة واحدة، قبل أن تُرفع الجثامين للصلاة عليها وتشييعها.
داخل المشرحة، كانت الوجوه الشاحبة تتنقل بين الأكفان البيضاء، في حين تعالت أصوات البكاء والدعاء، أمٌّ تحاول احتضان ابنها للمرة الأخيرة، وأقارب يرددون كلمات الوداع وقد أثقلتهم الصدمة، بينما امتزجت الدموع بالصمت في لحظات يصعب على الكلمات وصفها.
لم تقتصر المأساة على الشهداء الثلاثة، إذ أُصيب اثنان من أطفال العائلة بجروح خطيرة، ونُقلا إلى غرف العمليات، حيث يخضعان لتدخلات جراحية متواصلة في محاولة لإنقاذ حياتهما، لتبقى الأسرة معلقة بين فاجعتين؛ وداع من رحلوا، والقلق على من لا يزالون يصارعون الموت.
تقول فتحية الهمص، عمة الشهيد محمود، إن الصاروخ أصاب خيمة النزوح بصورة مباشرة، دون أن تمنح ساكنيها أي فرصة للنجاة، وتؤكد أن محمود وزوجته وطفله كانوا من بين آلاف النازحين الذين احتموا بالخيام بعد أن فقدوا منازلهم، لكن القصف لحق بهم هناك.
وتضيف لصحيفة "فلسطين"، وهي تحاول حبس دموعها، أن الطفلين المصابين ما زالا داخل غرف العمليات، بينما تعيش العائلة ساعات ثقيلة بين متابعة حالتهما واستقبال المعزين على الشهداء.
وتقول: "إيش ذنب الأطفال؟ وإيش ذنب المرأة؟ إلى متى سيبقى المدنيون يُقتلون داخل خيام النزوح؟".
وتتساءل عن جدوى الحديث المتكرر عن التهدئة، في وقت تستمر فيه الغارات التي تطال العائلات النازحة، مؤكدة أن الخيام التي لجأ إليها الناس بحثًا عن الأمان لم تعد توفر الحد الأدنى من الحماية، بل أصبحت شاهدة على مآسٍ جديدة تتكرر كل يوم.
فاجعة
أما رويدا الهمص، والدة الشهيد محمود، فلم تستطع أن تتمالك نفسها وهي تقف أمام جثمان ابنها، تقول إن خبر استشهاده وصلها مع ساعات الفجر، بعدما كانت تقيم في منطقة نزوح أخرى، لتجد نفسها أمام فاجعة فقدان ابنها وزوجته وحفيدها دفعة واحدة.
وتصف ابنها بأنه كان محبًا لأسرته، حنونًا على والدته وإخوته، لا يتردد في تقاسم ما يتوفر لديه مع الجميع رغم ضيق الحال.
وتستعيد تفاصيل بسيطة من حياته اليومية، قائلة إنه كان يحرص على إدخال الفرحة إلى قلوب أفراد عائلته بما يستطيع، قبل أن تنتهي حياته مع أسرته تحت أنقاض خيمة النزوح.
وتؤكد أن المأساة لم تتوقف عند استشهاد الثلاثة، بل امتدت إلى إصابة اثنين من أحفادها بجروح خطيرة، بينما تعيش العائلة سلسلة متلاحقة من الفواجع بعد استشهاد وإصابة عدد من أقاربها خلال الأيام الماضية، ما جعل أيام العزاء تتداخل مع جنازات جديدة.
وبينما كان المشيعون يستعدون لحمل الجثامين إلى المقبرة، علت أصوات التكبير والدعاء، فيما كانت نظرات الوداع الأخيرة تختزن حجم الفقد الذي خلّفه القصف في قلوب ذوي الضحايا.
غادرت الجثامين المشرحة، لكن الحزن بقي معلقًا في المكان، حيث تركت الجريمة أسرة ممزقة، وطفلين يصارعان الموت، وأمًا ستظل تتذكر أن ابنها خرج يبحث عن النجاة، لكنه وجدها نهاية لحياة أسرته بأكملها داخل خيمة نزوح كان يفترض أن تحميهم من الموت.
المصدر / فلسطين أون لاين