زيد نوفل .. لم يُطفئ شمعة ميلاده الثانية

mainThumb
زيد نوفل.. لم يُطفئ شمعة ميلاده الثانية

03-08-2026 09:19 AM

printIcon

اخبار اليوم - في حضن أمه، كان الطفل زيد نوفل يغطّ في نومٍ عميق. أرخى الليل سكونه على المنزل لسويعات، قبل أن يتحول الهدوء في لحظة إلى مأساة؛ غارة إسرائيلية أنهت حياة زيد، ولم تمهله ليكمل عامه الثاني.

لم يكن زيد طفلًا عاديًا في عائلة أنهكها الفقد؛ فقد جاء إلى الدنيا بعد أن فقدت والدته فاطمة أبناءها الثلاثة في مجزرة واحدة، وكبر في بيئة تحمل آثار الغياب، قبل أن يصبح هو الحكاية الجديدة التي تُضاف إلى سجل الخسارات.

فجر الخميس الماضي، كان زيد مع والدته وشقيقتيه براء ولينا في منزل عمه مصطفى نوفل بمخيم البريج وسط قطاع غزة، حين استيقظت العائلة وقد تحول جزء من المنزل إلى ركام.

في زاوية من البريج، يحمل مصطفى (40 عامًا) حكاية أسرة تحاول النجاة من بين أنقاض الحرب. يقول لصحيفة "فلسطين": "كنا نايمين في أمان الله، سمعنا الدار بتقع علينا.. ما عرفنا شو فيه ولا شو صار".

كان المنزل المؤلف من طابقين قد استُهدف في طابقه الثاني، حيث تقيم فاطمة وأطفالها. خلال لحظات، رحل زيد، وأصيبت والدته وشقيقتاه.

لكن حكاية الطفل بدأت قبل تلك الليلة بكثير.

في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفي الأيام الأولى لحرب الإبادة الجماعية، استُهدف منزل عائلة نوفل في بلدة الزوايدة وسط القطاع.

في تلك الضربة، فقدت العائلة 28 من أفرادها؛ إذ يقول مصطفى إن الشهداء كان بينهم والده ووالدته ومعظم إخوته وزوجاتهم وأطفالهم، إضافة إلى زوجته وأطفاله الخمسة.

كانت فاطمة من الناجين، لكنها خرجت من تحت الركام مصابة، بعد أن فقدت أبناءها الثلاثة: أمين (17 عامًا)، وحمزة (12 عامًا)، وأحمد الذي لم يكن قد تجاوز 37 يومًا من عمره، فيما أصيبت ابنتاها براء ولينا.

براء، التي كانت قد أنهت للتو الثانوية العامة بمعدل 97%، تحمل اليوم آثار حروق واسعة وتحتاج إلى جراحات تجميلية وعلاج خارج قطاع غزة، فيما تحتاج شقيقتها لينا إلى متابعة طبية فائقة بسبب إصابة في وجهها.

لم تكن فاطمة في تلك الأيام أمام فقدٍ واحد؛ فقد وجدت نفسها وسط عائلة كاملة غُيّبت تحت الركام. يقول مصطفى: "ما كانت عارفة تبكي على مين.. على أولادها ولا على أقاربها". وبعد ثلاثة أيام من المجزرة الأولى، فقدت فاطمة شقيقًا لها أيضًا.

عام ونصف العام من الأمل

وسط ذاك الفقد الكبير، جاء زيد إلى الحياة.

لم يكن مجرد طفلٍ جديد؛ بل كان العوض الذي تحاول والدته من خلاله النهوض من بين آثار الصدمة.

يقول عمه مصطفى: "ربنا جبر خاطر مرت أخوي وجابت هالولد.. كان الدنيا كلها بالنسبة إلها، وكانت تشوف فيه العوض".

عاش زيد أيامه القصيرة (عامًا ونصف العام) بين أمه وشقيقته، قبل أن تنهي غارة أخرى حياته، وتعيد والدته إلى دائرة الفقد من جديد. هذه المرة، لم تفقد فاطمة أبناءها الثلاثة فحسب، بل فقدت الطفل الذي جاء ليرمم ذاك الحزن.

جرحان لم يلتئما

نجت فاطمة للمرة الثانية من الموت، لكنها أُصيبت مجددًا. لم تكن قد تعافت بعد من إصابات الغارة الأولى حتى جاءت الثقيلة الثانية.

اليوم، تعجز فاطمة عن الحديث تحت وطأة الصدمة. تتردد على المستشفى للاطمئنان على ابنتيها المصابتين، بينما تمضي ليلها عند والدتها. أما براء ولينا، فما زالتا تتلقيان العلاج، وتنتظران دورهما للسفر بموجب تحويلة طبية خارج القطاع المحاصر.

قبر صغير بين 11 قبرًا

في مقبرة السوارحة، دُفن زيد إلى جانب أخيه الرضيع أحمد وأبناء عمه.

كان أحمد الطفل الوحيد الذي عُثر على جثمانه كاملًا من شهداء الضربة الأولى، بينما لم تجد العائلة من الآخرين إلا أشلاء.

هناك، تتوزع جثامين 28 شهيدًا على 11 قبرًا، وبينها قبرٌ صغير لطفلٍ لم يُمهله القصف حتى يبلغ عامه الثاني. طفلٌ جاء بعد الفقد، ورحل قبل أن يمنح أمه فرصة الاحتفال بوجوده طويلًا.



المصدر / فلسطين أون لاين