أخبار اليوم – لم يعد السؤال
في الشارع الأردني: هل لديك قرض؟ بقدر ما أصبح: كم تبقى من راتبك بعد القسط؟
سؤال واحد عن أسباب إقبال الأردنيين على القروض، فجّر سيلًا واسعًا من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن اللافت لم يكن حجم التفاعل فقط، بل اللغة التي استخدمها المواطنون لوصف واقعهم الاقتصادي.
"الطفر"، "الفقر"، "غلاء المعيشة"، "قلة الدخل"، "تراكم الالتزامات"، "البطالة"، و"الحاجة"، كانت من أكثر الإجابات حضورًا،
في مقابل تعليقات أخرى تحدثت عن السفر والرحلات وشراء السيارات والهواتف والتفاخر، فيما حمّل آخرون ارتفاع الأسعار والضرائب والسياسات الاقتصادية مسؤولية دفع الأسر نحو الاقتراض.
وبين هذه الآراء المتناقضة، تظهر صورة اجتماعية أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن الأردني "يحب القروض".
بالنسبة لشريحة من المواطنين، لا يأتي القرض باعتباره رفاهية أو خيارًا استهلاكيًا، وإنما كحل اضطراري عندما يصبح الدخل أقل من حجم الالتزامات. إيجار المنزل، أقساط المدارس والجامعات، فواتير الكهرباء والمياه، العلاج، المواصلات، مصاريف الأسرة، متطلبات الزواج، إصلاح المنزل أو السيارة، وحتى تغطية التزامات سابقة؛ كلها نفقات يمكن أن تدفع الأسرة
إلى البحث عن تمويل سريع عندما لا يكفي الراتب.
وهنا تبدأ الحلقة الأصعب: دخل لا يكفي، فاقتراض لسد العجز، فقسط شهري جديد، ثم دخل متاح أقل، وصولًا
في بعض الحالات
إلى الحاجة لاقتراض جديد.
من أكثر التعليقات التي لفتت الانتباه تلك التي وصفت حال بعض الأسر بأن
الراتب أصبح "سلفًا وديونًا"،
في إشارة
إلى أن الجزء الأكبر من الدخل يذهب قبل وصوله
إلى صاحبه. مواطنون تحدثوا عن دخل محدود لا يكاد يغطي الأسبوع الأول من الشهر، بينما أشار آخرون
إلى أن المطلوب من الأسرة أصبح أكبر بكثير من قدرتها المالية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل المشكلة
في رغبة الأردني بالاقتراض، أم
في اتساع الفجوة بين دخله وتكلفة الحياة؟
لكن ليست كل
القروض مرتبطة بالحاجة. فبعض المواطنين أشاروا
إلى أن جزءًا من الاقتراض يذهب
إلى السيارات والهواتف والسفر والرحلات وغيرها من مظاهر الاستهلاك، ما يعني أن ثقافة الإنفاق والرغبة
في مجاراة الآخرين قد تكون عاملًا
في بعض الحالات.
وفي مجتمع تحضر فيه المقارنة الاجتماعية بقوة، قد يجد البعض نفسه مطالبًا بمستوى معيشي لا يتناسب
مع دخله الحقيقي، فيلجأ
إلى القرض للحصول على ما لا يستطيع دفع ثمنه من دخله الحالي.
وفي المقابل، يرى مواطنون أن البنك أصبح
في كثير من الأحيان البديل الوحيد عندما لا يجد الشخص قريبًا أو صديقًا يستطيع مساعدته، فالحصول على التمويل قد يكون أسهل من طرق أبواب الناس وطلب المال منهم.
لكن سهولة الحصول على القرض لا تعني سهولة التخلص منه؛ فالمبلغ الذي يدخل الحساب اليوم
يتحول إلى التزام شهري قد يستمر سنوات، ويقتطع جزءًا ثابتًا من الدخل مهما تغيرت ظروف المقترض.
ومن خلال النقاش الشعبي يمكن رصد مجموعة من الأسباب التي يراها المواطنون خلف الإقبال على القروض، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، محدودية الدخول، تراكم الالتزامات، تكاليف التعليم والجامعات، العلاج، السكن والمواصلات، البطالة، الزواج، إضافة
إلى الرغبة
في شراء السيارات والأجهزة والسفر لدى بعض الفئات.
لكن هذه الأسباب لا تعني أن جميع المقترضين ينتمون
إلى الحالة نفسها؛ فهناك فرق كبير بين قرض لتمويل التعليم أو العلاج، وقرض لشراء سلعة استهلاكية، وقرض يستخدم لسداد قرض سابق.
واللافت أن جزءًا كبيرًا من التفاعل
مع السؤال جاء ساخرًا؛ إذ وصف بعض المعلقين الاقتراض بأنه نتيجة "الرفاهية الزائدة" و"كثرة السعادة" و"كثرة المصاري"، وهي عبارات تكشف
في جانب منها عن حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الاقتصاد وبين التجربة اليومية التي يعيشها المواطن.
فالمواطن الذي يرد بسخرية على سؤال
القروض لا يقدّم بالضرورة إجابة اقتصادية، لكنه يعبّر عن شعور واضح بأن الحديث عن الاقتراض لا يمكن فصله عن واقع الأسعار والدخل والالتزامات.
وفي المقابل، هناك من يرى أن المسؤولية لا تقع كلها على الاقتصاد، وأن ثقافة الاستهلاك والتفاخر وغياب التخطيط المالي تلعب دورًا لا يمكن تجاهله.
القرض
في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة
في السبب الذي يدفع إليه. فإذا كان التمويل موجهًا
إلى مشروع منتج أو تعليم أو استثمار قابلًا للعائد، فإن الصورة تختلف تمامًا عن قرض يستخدم لتغطية المصاريف اليومية أو سداد التزامات سابقة.
في الحالة الثانية، لا يتم حل المشكلة بقدر ما يتم تأجيلها،
مع إضافة قسط جديد
إلى ميزانية تعاني أصلًا من العجز.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ربما لم يعد: "لماذا يأخذ الأردني قرضًا؟"، بل:
لماذا أصبح الاقتراض بالنسبة
إلى بعض الأسر الطريق الأسرع للخروج من أزمة مالية مؤقتة؟
الإجابة تحتاج
إلى أكثر من استطلاع على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحتاج
إلى قراءة حقيقية لمستويات الدخول وكلفة المعيشة وحجم المديونية وأنماط الإنفاق وأسباب الاقتراض.
فإذا كانت
القروض تذهب
في معظمها
إلى الاستثمار والإنتاج، فالقصة مختلفة، أما إذا كان جزء متزايد منها يذهب
إلى الطعام والفواتير والعلاج والتعليم وسداد الالتزامات السابقة، فإن القضية تصبح مؤشرًا اقتصاديًا واجتماعيًا يستحق التوقف عنده.
وفي النهاية، ربما تختصر عبارة واحدة جانبًا كبيرًا من النقاش الشعبي: "حل المشكلة بمشكلة أكبر".
فالقرض قد يفتح بابًا عندما تضيق الأبواب، لكنه
في بعض الحالات قد يكون الباب نفسه الذي يدخل منه المواطن
إلى دائرة ديون يصعب الخروج منها.