نعم للعفو .. ولكن ليس للجميع: ماذا يريد الأردنيون من العفو العام؟

mainThumb
نعم للعفو.. ولكن ليس للجميع: ماذا يريد الأردنيون من العفو العام؟

09-08-2026 03:13 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - عاد ملف العفو العام في الأردن إلى واجهة النقاش الشعبي، وسط حالة واضحة من الانقسام بين من يراه مطلباً إنسانياً واجتماعياً طال انتظاره، ومن يحذر من أن يتحول إلى عفو شامل يساوي بين من ارتكب مخالفة بسيطة ومن ارتكب جريمة خطيرة هزّت المجتمع وألحقت الأذى بالضحايا.

ومن خلال رصد النقاشات والتعليقات المتداولة حول الدعوات إلى إصدار عفو عام، يتضح أن الشارع الأردني لا يتحدث بصوت واحد، لكنه في الوقت ذاته لا يبدو بعيداً عن نقطة اتفاق مهمة: إذا صدر العفو، فيجب ألا يكون عفواً أعمى.

فبينما يطالب مؤيدون بعفو عام وشامل، ويعتبرونه فرصة للتخفيف عن السجناء وأسرهم وإعادة دمج فئات من المحكومين في المجتمع، ترفض أصوات أخرى أن يشمل العفو الجرائم الخطيرة، وفي مقدمتها جرائم القتل والاعتداءات الجنسية وتجارة المخدرات والجرائم التي تهدد أمن المجتمع وسلامة أفراده.

وفي قلب هذا الجدل، يبرز سؤال أكثر أهمية من مجرد «مع العفو أو ضده»: هل يمكن أن تكون هناك عدالة في عفو لا يفرّق بين الجرائم؟

أحد أبرز الاتجاهات التي ظهرت في النقاش الشعبي يدعو إلى دراسة ملفات المحكومين حالة بحالة، وفرز الجرائم وفق معايير واضحة، بحيث لا يتم التعامل مع شخص ارتكب مشاجرة وانتهت القضية بالصلح وإسقاط الحق الشخصي، بالطريقة ذاتها التي يتم التعامل بها مع مرتكب جريمة خطيرة، حتى لو حصل في الحالتين إسقاط للحق الشخصي.

وهنا تبرز إشكالية قانونية ومجتمعية شديدة الحساسية، إذ يرى كثيرون أن إسقاط الحق الشخصي لا يعني بالضرورة زوال خطورة الجريمة أو آثارها على المجتمع، خصوصاً عندما تكون الجريمة من النوع الذي يتجاوز ضرره شخص الضحية إلى الأمن والسلم المجتمعي.

في المقابل، هناك عائلات ترى في العفو العام فرصة لإنقاذ أبنائها من سنوات خلف القضبان، خصوصاً في القضايا التي انتهت بالمصالحة، أو تلك التي لا تنطوي على خطورة كبيرة، أو التي يرى ذوو المحكومين أن العقوبة فيها أصبحت أقسى من ظروف الجريمة وملابساتها.

وهناك أيضاً شريحة واسعة تربط ملف العفو العام بالجانب الاقتصادي، مطالبة بأن تمتد أي معالجة إلى الغرامات والمخالفات والالتزامات التي أثقلت كاهل المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخل المحدود، معتبرين أن تخفيف هذه الأعباء يمكن أن يكون له أثر مباشر على الأسر والأسواق والحركة الاقتصادية.

لكن في الجهة المقابلة يقف صوت آخر يقول بوضوح: لا يمكن أن تتحول الظروف الاقتصادية أو المطالب الشعبية إلى مبرر لإسقاط العقوبة عن جرائم تهدد الناس، ولا يمكن أن تكون كلمة «عفو» سبباً في أن يشعر الضحية بأن حقه أصبح أقل قيمة من حق الجاني.

وهنا تصبح المسألة شديدة الحساسية؛ لأن العفو بالنسبة لعائلة سجين قد يعني عودة ابن أو أب إلى منزله، لكنه بالنسبة لعائلة ضحية قد يعني فتح جرح لم يلتئم بعد.

ولهذا فإن النقاش الحقيقي يجب ألا يكون عاطفياً، لا مع العفو ولا ضده.

فالقول إن «العفو مطلب شعبي» لا يعني أن كل سجين يستحق العفو، كما أن رفض العفو بشكل مطلق لا يعني أن جميع المحكومين من الفئة نفسها أو أن جميع القضايا تحمل الدرجة ذاتها من الخطورة.

المطلوب، إذا كان هناك توجه نحو إصدار عفو، هو معايير واضحة لا تترك مساحة للالتباس: ما الجرائم التي يشملها؟ ما الجرائم التي تستثنى؟ هل يؤخذ بعين الاعتبار إسقاط الحق الشخصي؟ هل تؤخذ مدة العقوبة والسوابق وسلوك المحكوم داخل المؤسسة الإصلاحية بعين الاعتبار؟ وماذا عن حقوق الضحايا وأسرهم؟

فالعدالة لا تعني دائماً التشدد، كما أن الرحمة لا تعني دائماً الإفراج.

وبين هذين المبدأين يقف المواطن الأردني أمام سؤال كبير: هل المطلوب عفو عام شامل، أم عفو مدروس يمنح فرصة ثانية لمن يستحقها، ويضع خطاً أحمر أمام الجرائم التي لا يمكن للمجتمع أن يتعامل معها باعتبارها أخطاء عابرة؟

ربما تكون الإجابة الأقرب إلى المزاج الشعبي الذي ظهر في النقاشات هي: نعم للعفو عن المستحقين، ولا لعفو يساوي بين الجريمة البسيطة والجريمة التي تدمر حياة إنسان أو تهدد أمن المجتمع.

وفي النهاية، فإن قوة أي عفو لا تقاس بعدد من يخرجون من السجون فقط، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة صعبة: أن يمنح فرصة جديدة لمن يستحقها، من دون أن يشعر الضحية بأن العدالة قد تخلت عنه.

فالعفو الحقيقي ليس أن نفتح الأبواب للجميع، بل أن نعرف بدقة من يستحق أن تُفتح له الأبواب.