المهندس
الزراعي محمد عبدالله الطوالبة
خبير الإحصاءات الزراعية والاقتصاد الزراعي
الإنتاج النباتي
في الأردن 2025-2022
من قياس الإنتاج إلى إدارة الموسم
قراءة إحصائية–اقتصادية
في الإنتاجية والموارد والأمن الغذائي والأسواق ومنظومة المعلومات
إعداد وتحليل: المهندس
الزراعي محمد عبدالله الطوالبة
خبير الإحصاءات الزراعية والاقتصاد الزراعي
الاستقرار النسبي
في الحجم الكلي لا يعني استقرار ما يجري داخل القطاع.
قراءة إحصائية–اقتصادية
في الإنتاجية والموارد والأمن الغذائي والأسواق ومنظومة المعلومات
قد يبدو تقييم الإنتاج النباتي مسألة مباشرة: كم زُرع؟ وكم أُنتج؟ وهل ارتفع الناتج أم انخفض؟ غير أن الأطنان، على أهميتها، لا تقدم إلا الطبقة الأولى من الصورة؛ فهي لا تكشف وحدها ما إذا كان تغير الإنتاج ناتجاً عن تغير المساحة أم إنتاجية الوحدة، ولا مقدار الموارد التي تقف خلفه، ولا القيمة الاقتصادية التي ولدها، ولا موقعه من احتياجات الغذاء والسوق.
وتزداد أهمية هذه القراءة
في الأردن، حيث يعمل الإنتاج النباتي ضمن قيود مائية ومناخية وسوقية متداخلة، وتختلف وظيفة المحاصيل من سلعة إلى أخرى. فقد يكون التحدي
في محصول محدودية مساهمة الإنتاج المحلي
في الإمداد، بينما يتمثل
في آخر
في إدارة تركز المعروض أو الوصول إلى أسواق قادرة على استيعابه، وفي ثالث
في رفع كفاءة استخدام الأرض والمياه والمدخلات.
لذلك يقرأ هذا المقال الإنتاج النباتي خلال الفترة 2025-2022 بوصفه منظومة تحول الموارد إلى إنتاج وغذاء وقيمة اقتصادية، لا مجرد مجموع للأطنان. وينتقل التحليل من الحجم وتركيبه إلى المساحة والإنتاجية وكفاءة الموارد، ثم إلى القيمة والأمن الغذائي والأسواق وسلسلة القيمة، قبل أن يصل إلى البعد الأكثر استراتيجية: كيف يمكن الانتقال من قياس الموسم بعد وقوعه إلى بناء منظومة معلومات تساعد على إدارته وهو يتشكل؟
أولاً: ما وراء الرقم الكلي... إنتاج يتحرك
في م
سارات غير متجانسة
لم يسلك الحجم الكمي للإنتاج النباتي مساراً تصاعدياً أو تنازلياً مستمراً خلال الفترة. فقد بلغ الرقم القياسي الكمي لجميع المحاصيل 137.9 نقطة
في 2022، وارتفع إلى 155.2 نقطة
في 2023، ثم تراجع إلى 151.2 نقطة
في 2024 وإلى 140.5 نقطة
في 2025. وبذلك انتهت الفترة عند مستوى يزيد بنحو 1.9% فقط على بدايتها، رغم الارتفاع الواضح الذي تحقق
في منتصفها.
لكن التقارب بين مستويي 2022 و2025 يخفي تغيرات أكبر داخل التركيب المحصولي. فبين طرفي الفترة ارتفع مؤشر الخضروات بنحو 10.0%،
في حين انخفض مؤشر المحاصيل الحقلية بنحو 10.2% ومؤشر الفواكه بنحو 8.3%. كما انخفض المؤشر العام
في 2025 بنحو 7.1% مقارنة بعام 2024، بينما تحركت بعض مكوناته
في اتجاه معاكس.
الرسالة التحليلية: الاستقرار النسبي للمؤشر الكلي بين طرفي الفترة يخفي مسارات محصولية متباينة
في الاتجاه والشدة.
ملاحظة: لا تعني المقارنة بين 2022 و2025 أن حركة المحاصيل خلال السنوات الوسيطة كانت خطية.
ويظهر أثر اختيار سنة المقارنة بوضوح
في القمح والزيتون. فقد وصل الرقم القياسي للقمح إلى 164.0 نقطة
في 2024 قبل أن ينخفض إلى 87.9 نقطة
في 2025، بينما وصل مؤشر الزيتون إلى 176.6 نقطة ثم تراجع إلى 80.8 نقطة خلال الفترة نفسها. ومن ثم فإن وصف أي منهما بمسار تنازلي مستمر سيكون أقل دقة من وصفه بمحصول شهد تقلباً حاداً بين السنوات.
والنتيجة الأولى أن الإنتاج النباتي ليس كتلة متجانسة يمكن الحكم عليها من متوسط واحد. فاستقرار الإجمالي نسبياً قد يخفي توسعاً واضحاً
في بعض المكونات، وتراجعاً أو تقلباً واسعاً
في أخرى. غير أن معرفة اتجاه الإنتاج لا تكفي لتفسير أدائه؛ فالانتقال من قياس النتيجة إلى فهمها يبدأ بتحديد ما إذا كان التغير قد جاء من المساحة، أو إنتاجية الوحدة، أو القاعدة الإنتاجية نفسها.
ثانياً: وراء تغير الإنتاج... بين المساحة والإنتاجية وكفاءة الموارد
يمكن أن يرتفع الإنتاج نتيجة اتساع المساحة، أو تحسن إنتاجية وحدة الأرض، أو تفاعلهما معاً. وفي المحاصيل الدائمة يضاف متغير آخر هو تطور القاعدة الإنتاجية نفسها، ولا سيما انتقال الأشجار إلى مرحلة الإثمار. وتقدم حالات القمح والبندورة والتمور ثلاث صور مختلفة لكيفية تشكل التغير
في الناتج.
القمح... تقلص المساحة كان العامل الأبرز
انخفضت المساحة المحصودة بالقمح من نحو 121.1 ألف دونم
في 2023 إلى 86.2 ألف دونم
في 2025، أي بنحو 28.8%، بينما انخفض الإنتاج من نحو 26.7 إلى 18.5 ألف طن. وفي المقابل، كان تغير إنتاجية الدونم محدوداً نسبياً، من نحو 220.5 إلى 214.1 كغم/دونم.
وتشير هذه الحركة إلى أن تراجع الإنتاج خلال الفترة ارتبط بصورة أوضح بتقلص المساحة المحصودة مقارنة بالتغير المحدود
في إنتاجية الدونم. ولا يعني ذلك أن المساحة وحدها تفسر أداء القمح، لكنه يوضح لماذا لا يمكن قراءة انخفاض الأطنان بمعزل عن قاعدة الإنتاج التي تولدها.
البندورة... التوسع
في المساحة لم يتحول إلى زيادة
في الناتج
في البندورة ارتفعت المساحة من 77.3 ألف دونم تقريباً
في 2023 إلى 80.3 ألف دونم
في 2025، أي بنحو 3.9%،
في حين انخفض الإنتاج من نحو 591.7 إلى 564.1 ألف طن، وتراجعت إنتاجية الدونم من نحو 7.65 إلى 7.02 طن/دونم.
وبذلك لم يتحول التوسع
في المساحة إلى زيادة
في الناتج؛ إذ تزامن مع انخفاض إنتاجية وحدة الأرض. ولا تسمح هذه المؤشرات وحدها بإسناد التراجع إلى سبب فني أو مائي أو مناخي محدد، لكنها تثبت أن زيادة المساحة لا تضمن زيادة الإنتاج عندما تتحرك الإنتاجية
في الاتجاه المعاكس.
التمور... اتساع القاعدة المثمرة هو مفتاح النمو
أما التمور فتمثل نمطاً مختلفاً للمحاصيل الدائمة. فقد ارتفع عدد الأشجار المثمرة من نحو 358 ألف شجرة
في 2022 إلى 435 ألف شجرة
في 2025، وزاد الإنتاج من نحو 29.5 إلى 34.5 ألف طن،
في حين انخفض متوسط إنتاجية الشجرة المثمرة من نحو 82.5 إلى 79.2 كغم.
وتشير هذه الحركة إلى أن نمو الإنتاج ارتبط أساساً باتساع القاعدة المثمرة ودخول استثمارات سابقة مرحلة الإنتاج، وليس بتحسن متوسط إنتاجية الشجرة. وهذا تمييز مهم
في المحاصيل الدائمة، حيث يسبق الاستثمار
في الأصل
الزراعي تحقق كامل أثره الإنتاجي بعدة سنوات.
المساحة وحدها لا تكفي... كفاءة الموارد هي الاختبار الأصعب
لا تعمل المساحة والإنتاجية بمعزل عن المياه والمدخلات والظروف البيئية. وفي الأردن تحديداً تمثل المياه قيداً هيكلياً يجعل التوسع
في المساحة أقل دلالة إذا لم يُقرأ إلى جانب كفاءة استخدام المورد المائي.
وتوفر البيانات الرسمية مؤشرات عن الموازنة المائية والتغذية المطرية واستخدامات المياه، لكن اختلاف التغطية الزمنية والمكانية، وتفاوت اعتماد المحاصيل على الري والأمطار، لا يسمح بإسناد تغير إنتاج محصول بعينه مباشرة إلى المياه أو المناخ استناداً إلى مؤشرات كلية فقط. ولذلك تستخدم هذه البيانات لتحديد سياق الموارد والقيود، لا لإثبات علاقة سببية منفردة.
وفي بلد محدود الموارد المائية، يصبح ارتفاع الإنتاج أكثر دلالة عندما يقترن بقدرة أعلى على تحويل المورد المائي المحدود إلى غذاء وقيمة. إلا أن حساب هذا النوع من الكفاءة يحتاج بيانات محصولية ومائية متجانسة، ولا يصح اشتقاقه بقسمة مؤشرات كلية لا تغطي الوحدات الإنتاجية نفسها.
مؤشر رسمي لكفاءة مياه الري
يوفر نظام إدارة معلومات الأمن الغذائي مؤشراً رسمياً بعنوان «إنتاجية المتر المكعب من المياه للمحاصيل الزراعية المروية»، يُحسب بقسمة مجموع إنتاج الخضار والفواكه المروية بالكيلوغرام على كمية المياه المستخدمة
في الري. ووفق هذا المؤشر، ارتفعت إنتاجية المتر المكعب من 4.05 كغم/م³
في 2022 إلى 4.89 كغم/م³
في 2025، أي بنحو 20.7% وفق حسابات الباحث.
وخلال الفترة نفسها، ارتفع مجموع إنتاج المحاصيل البستانية الرئيسية المستخدم
في الحساب من نحو 2.316 مليون طن إلى 2.810 مليون طن، أي بنحو 21.3%، بينما ارتفع مجموع المياه المستخدمة
في الزراعة من 571.71 إلى 574.43 مليون م³، أي بنحو 0.5%. كما بلغت المياه العذبة المستخدمة
في الزراعة 388.39 مليون م³
في 2025، بما يعادل نحو 68% من مجموع المياه المستخدمة
في الزراعة
في ذلك العام.
وتشير هذه النتائج إلى تحسن الكفاءة المائية على مستوى المؤشر الكلي، لكنها لا تحدد كفاءة محصول بعينه، ولا تثبت أن المياه وحدها سببت تغير الإنتاج؛ فالتفسير المحصولي يحتاج إلى بيانات متجانسة عن كمية المياه والإنتاج والمساحة ونمط الري والظروف الفنية والمناخية على مستوى المحصول والمكان والفترة نفسها.
وينطبق المنطق ذاته على الأسمدة والمبيدات والمدخلات الأخرى. فالغاية ليست خفض الاستخدام بصورة مطلقة، ولا تعظيمه سعياً وراء إنتاج أكبر، وإنما رفع كفاءة الاستخدام: الكمية والنوع والتوقيت والطريقة التي تحقق نتيجة إنتاجية واقتصادية أفضل مع تقليل الاستخدام غير الضروري للمورد.
ثالثاً: من حجم الإنتاج إلى قيمته الاقتصادية... ماذا يولد النشاط؟
الأطنان تقيس جانباً من حجم النشاط، لكنها لا تقيس وحدها ما يولده من قيمة اقتصادية. وفي المقابل، لا تعني زيادة القيمة النقدية زيادة مماثلة
في الحجم الحقيقي، لأن القيم الجارية تتأثر بالكميات والأسعار وتركيب الإنتاج معاً.
وتوفر الحسابات القومية لعام 2022 مرساة رسمية لقراءة البعد الاقتصادي للإنتاج النباتي؛ إذ بلغ الإنتاج القائم نحو 1,486.3 مليون دينار، مقابل 280.1 مليون دينار للاستهلاك الوسيط، لتبلغ القيمة المضافة الإجمالية نحو 1,206.2 مليون دينار.
ولا تمثل القيمة المضافة أرباح المزارعين، كما لا يمثل الاستهلاك الوسيط إجمالي تكاليف الحيازة. فالربحية مفهوم مختلف يحتاج بيانات عن العوائد والتكاليف على مستوى المزرعة أو المحصول.
كما أن امتداد هذه المؤشرات إلى 2023–2025 باستخدام حسابات مشتقة من الرقم القياسي والأسعار لا يجعلها حسابات قومية رسمية؛ وتؤكد قاعدة العمل المستخدمة أن قيم الأعوام اللاحقة كانت حسابات الباحث لا بيانات قومية منشورة. ولذلك يقتصر المقال على المرساة الرسمية المتجانسة بدلاً من بناء
سلسلة تبدو أكثر اكتمالاً مما تسمح به قوة الدليل.
والنتيجة أن قياس الحجم لا يغني عن قياس القيمة، كما أن القيمة الجارية لا تحل محل قياس الحجم الحقيقي؛ فكل منهما يجيب عن سؤال مختلف، وتكتمل القراءة الاقتصادية عندما يُفصل بينهما ثم يُقرأان معاً.
رابعاً: من الإنتاج إلى الأمن الغذائي... تختلف السلع وتختلف الوظائف
لا تتساوى دلالة الإنتاج المحلي بين السلع. فارتفاع إنتاج القمح يحمل معنى مختلفاً عن ارتفاع إنتاج البندورة، كما أن نسبة اكتفاء مرتفعة لا تعني تلقائياً أن زيادة إنتاج السلعة هي الخيار الأكثر كفاءة
في كل الظروف.
ولهذا تُستخدم نسبة الاكتفاء الذاتي هنا باعتبارها مؤشراً إلى العلاقة بين الإنتاج المحلي والاستخدام المحلي وفق منهجية الميزانية الغذائية، لا مقياساً منفرداً للأمن الغذائي.
ملاحظة: لا يعني تجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي 100% أن الفرق يمثل تلقائياً فائضاً قابلاً للتصدير. وتُقرأ البطاطا ضمن نطاق السلعة
في الميزانية الغذائية، مع مراعاة اختلاف بطاطا الاستهلاك عن التقاوي وبعض الاستخدامات التصنيعية.
تكشف المقارنة عن أربع وظائف مختلفة للإنتاج المحلي. فالقمح يطرح أساساً سؤال إدارة الاعتماد على الإمداد الخارجي ومخاطره، ولا تقود نسبته المنخفضة بذاتها إلى نتيجة مفادها أن الاكتفاء الكامل هو الخيار الأمثل مهما كانت كلفته من المياه والأرض.
أما البطاطا فتعكس مساهمة إنتاج محلي مرتفعة قياساً بالاستخدام السنوي، لكن ذلك لا ينفي احتمال وجود اختلافات موسمية أو استخدامات متعددة لا يعبر عنها المتوسط السنوي وحده.
وفي البندورة يظهر تحدٍ مختلف؛ إذ تجاوز الإنتاج المحلي الاستخدام المحلي وفق تعريف المؤشر
في 2024. وهنا ينتقل السؤال من كيفية توفير الكمية إلى كيفية إدارة توقيت المعروض والأسواق والتصنيع والتصدير.
أما زيت الزيتون فيوضح ضرورة الانتقال من قراءة المنتج
الزراعي الأولي إلى قراءة
سلسلة القيمة، فالزيتون ثمرة زراعية، بينما زيت الزيتون منتج غذائي مصنع يرتبط بالتجارة والاستخدام الغذائي بصورة مختلفة. وتؤكد قاعدة العمل ضرورة الفصل بين ثمار الزيتون وزيت الزيتون
في هذا النوع من التحليل.
ومن ثم فإن الأمن الغذائي لا يعني تعظيم نسبة الاكتفاء لكل سلعة بصورة آلية. ففي بيئة محدودة الموارد، تتكون القدرة على الصمود من مزيج يختلف حسب السلعة بين الإنتاج المحلي، والتجارة، والمخزون، والتصنيع، وتنويع مصادر الإمداد والأسواق، وإدارة المخاطر.
كما أن المؤشر السنوي لا يكشف بالضرورة استقرار الإمداد داخل السنة؛ فقد يتزامن ارتفاع المعروض
في أسابيع محددة مع نقصه
في فترات أخرى. وهنا يلتقي الأمن الغذائي مباشرة بالسوق وتوقيت الإنتاج.
خامساً: من باب المزرعة إلى السوق... كيف تتحرك القيمة؟
لا تنتهي رحلة المحصول عند باب المزرعة. فبين الحصاد والسوق توجد عمليات فرز وتعبئة وتحميل ونقل ومناولة وتسويق، تحمل تكاليف وخدمات ومخاطر تختلف باختلاف المحصول ومسار التسويق.
وتتيح البيانات الرسمية مقارنة سعر باب المزرعة بالتكاليف التسويقية وسعر السوق المركزي لبعض المحاصيل، بما يسمح بقراءة جزء من انتقال السلعة والقيمة عبر السلسلة.
ملاحظة: نسبة سعر باب المزرعة إلى سعر السوق المركزي من حسابات الباحث، ولا تمثل حصة المنتج من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
فرق السعر ليس ربحاً
بين 2022 و2025 انخفضت نسبة سعر باب المزرعة إلى السوق المركزي
في البندورة من 56.1% إلى 52.3%، وفي البطاطا من 85.4% إلى 78.0%، بينما ارتفعت
في الخيار من 79.1% إلى 83.1%. وتؤكد هذه الاتجاهات المختلفة أن المقارنة بين مراحل التسويق لا تنتج حكماً واحداً يصلح لجميع المحاصيل.
كما أن الفرق بين السعرين لا يمثل ربح الوسيط؛ إذ توجد تكاليف وخدمات فعلية بين المزرعة والسوق. والسؤال الاقتصادي الأدق هو: أي من هذه التكاليف ضروري لإيصال السلعة بالجودة المطلوبة، وأين توجد كلفة أو فاقد يمكن خفضهما بتحسين التنظيم واللوجستيات؟
والحد الآخر للمقارنة أن السوق المركزي ليس المستهلك النهائي. فقد تستمر السلعة بعده إلى تجارة الجملة والتجزئة، كما لا تمر جميع المنتجات بالقناة التسويقية نفسها. ولهذا لا تُفسر النسبة باعتبارها حصة المزارع من سعر المستهلك.
التوقيت جزء من السوق
في المنتجات الطازجة لا تكفي ملاءمة الكمية السنوية
في مجموعها؛ فتجمع المعروض
في فترة قصيرة قد يخلق ضغطاً مختلفاً عن توزيع الكمية نفسها على مدة أطول.
ومن هنا تصبح البيانات الشهرية والأسبوعية للكميات والأسعار مهمة لفهم الموسمية وتوقيت دخول المعروض. كما تتغير فكرة حماية المنتج: فالمطلوب ليس إلغاء تقلب السوق أو ضمان سعر ثابت، وإنما خفض عدم تماثل المعلومات والمخاطر التي يمكن تجنبها.
فكلما عرف المنتج قبل الزراعة المساحات المتوقعة، ومواعيد دخول الكميات، واتجاهات السوق، ومتطلبات التصدير والتصنيع، أصبح القرار أقل اعتماداً على معلومات تأتي بعد أن يكون المحصول قد أصبح
في الأرض.
السوق يبدأ قبل الحصاد
ومن هذه الزاوية ينبغي أن تتطور الرزنامة الزراعية من تقويم يحدد المواعيد الفنية للزراعة إلى أداة تربط الزراعة والحصاد بالمعروض المتوقع والسوق المحلي والتصنيع والنوافذ التصديرية.
كما أن التصدير المستدام يبدأ قبل الحصاد بمعرفة الصنف والمواصفة والجودة والعبوة والتوقيت ومتطلبات السوق المستهدف، لا بالبحث عن مشترٍ بعد ظهور فائض محلي.
والتصنيع بدوره ليس مستودعاً لأي فائض؛ فهو يحتاج إلى منتج ملائم فنياً، وانتظام توريد، وطاقة اقتصادية، وسوق للمنتج المصنع.
ولا تُقاس كفاءة
سلسلة القيمة بما يصل إلى السوق فقط؛ فالمنتج الذي يُفقد بعد أن استهلك أرضاً ومياهاً ومدخلات وعملاً يمثل كمية وقيمة وموارد لم تتحول إلى غذاء أو عائد اقتصادي. ولذلك يصبح قياس الفاقد حسب المحصول ومرحلة السلسلة—من الحصاد والفرز إلى التعبئة والنقل والتخزين—جزءاً من تقييم كفاءة الإنتاج، من دون الخلط بين الفاقد وبين تركز المعروض أو انخفاض الأسعار.
سادساً: من قراءة الموسم إلى استباقه... حين تصبح المعلومة جزءاً من القرار الزراعي
تكشف المحاور السابقة أن بعض أكثر القرارات تأثيراً
في نتيجة الموسم تُتخذ قبل ظهور رقم الإنتاج النهائي بوقت طويل. ولذلك لا تكمن الخطوة التالية
في جمع مزيد من البيانات فحسب، بل
في إيصال كل معلومة بالدورية التي يحتاجها القرار الذي تخدمه.
لكل قرار زمنه المعلوماتي
يحتاج القطاع إلى مستويات مختلفة من المعلومات:
بيانات هيكلية: يوفرها التعداد
الزراعي عن الحيازات واستعمالات الأرض ونظم الإنتاج والري.
بيانات سنوية: عن المساحات والإنتاج والإنتاجية والقيمة والميزانيات الغذائية.
بيانات موسمية وشهرية: عن الزراعات ومواعيدها والمياه والإنتاج المتوقع والأسعار والتجارة.
بيانات عالية التواتر عند الحاجة: عن الكميات الداخلة إلى الأسواق والطقس والإنذارات والمخاطر.
والهدف ليس أن تصبح جميع المؤشرات فورية، وإنما أن تصل قبل انتهاء قدرتها على التأثير
في القرار.
من خط الأساس إلى صورة مبكرة للموسم
يمثل التعداد
الزراعي القادم فرصة لإعادة بناء خط أساس هيكلي حديث للقطاع، لكنه لا يستطيع وحده معرفة ما سيزرع بين دورة وأخرى.
وهنا يمكن أن يؤدي السجل الموسمي للزراعات ونوايا الإنتاج وظيفة مكملة من خلال تسجيل المحصول والموقع والمساحة وموعد الزراعة ونمط الإنتاج والري، مع تحديث البيانات عند التغير.
ولا ينبغي أن يتحول هذا السجل إلى أداة لفرض محصول على المنتج؛ بل إلى وسيلة لبناء صورة مبكرة عن المعروض المتوقع، مع حماية البيانات الفردية وتحديد أغراض استخدامها وصلاحيات الوصول إليها ونشر النتائج بصورة إحصائية مجمعة.
كما لا يعمل السجل منفرداً؛ إذ تكمل المسوح والاستشعار عن بعد والصور الجوية وصور الأقمار الصناعية هذه الصورة. والقوة لا تأتي من استبدال مصدر بآخر، بل من مقارنة الأدلة ودمجها.
وضع الإنتاج على الخريطة
وتوفر الخارطة الزراعية الوطنية والبيانات المكانية أساساً للانتقال من سؤال:
أين يمكن زراعة المحصول؟
إلى السؤال الأكثر تقدماً:
أين تكون زراعته أكثر ملاءمة من حيث الأرض والمياه والمخاطر والوصول إلى السوق؟
وهنا تتحول الخارطة من أطلس للموارد إلى أداة لـ
الاقتصاد المكاني للزراعة، تربط الموقع بالإنتاج والموارد والخدمات والأسواق.
من توقع الحصاد إلى إدارة السوق والمخاطر
عندما ترتبط المساحة والموقع وموعد الزراعة بالإنتاجية التاريخية وحالة المحصول والمياه والمناخ، يمكن الانتقال تدريجياً من معرفة ما زُرع إلى تقدير ما قد يُنتج، ومتى وأين سيدخل السوق.
ولا ينبغي تقديم التقدير بوصفه حقيقة مؤكدة، بل تقديراً متجدداً يُحدَّث كلما وصلت معلومات جديدة، مع الإفصاح عن درجة عدم اليقين المصاحبة له.
وعند ربطه ببيانات الأسواق والتجارة والتصنيع، يمكن استخدامه للإنذار المبكر باحتمال نقص بعض السلع أو تركز المعروض أو ظهور اختناقات تسويقية قبل أن تتحول إلى مشكلة كاملة.
المعلومة يجب أن تعود إلى المزارع
لن تتحول منظومة المعلومات إلى أداة لإدارة الموسم إذا انتهى تدفقها عند المؤسسة التي تجمع البيانات.
فالمزارع الذي يزود المنظومة بمعلومات عن زراعته يحتاج
في المقابل إلى مؤشرات تساعده على تقييم قراره: المساحات المتوقعة، توقيت المعروض، اتجاهات الأسعار، الإنذارات المناخية والمائية، متطلبات السوق ونوافذ التسويق والتصدير.
ولا يعني ذلك أن تخبره جهة مركزية ماذا يزرع، بل أن توفر له معلومة أفضل عن الفرص والمخاطر قبل أن يتخذ القرار.
وهنا تلتقي وظيفة الإحصاء بالاقتصاد الزراعي: الإحصاء يقيس الواقع، وترتفع قيمته الاستراتيجية عندما يصل
في الوقت الذي يستطيع فيه تحسين القرار الاقتصادي.
الخاتمة: من زيادة الإنتاج إلى رفع كفاءة المنظومة
تكشف الفترة 2022–2025 أن الاستقرار النسبي
في الحجم الكلي للإنتاج النباتي بين طرفيها لا يعني استقرار ما يجري داخل القطاع. فقد تحركت المحاصيل والمجموعات
في اتجاهات مختلفة، واختلفت مساهمة المساحة والإنتاجية والقاعدة المنتجة
في تشكيل الناتج، كما اختلفت الوظيفة الغذائية والسوقية للمحاصيل نفسها.
ومن ثم تظل زيادة الإنتاج مهمة عندما تحتاجها السوق والأمن الغذائي، لكنها ليست هدفاً منفصلاً عن كفاءة الأرض والمياه والمدخلات، والقيمة الاقتصادية، وتوقيت المعروض، وقدرة السوق على الاستيعاب، وما يُحافظ عليه من المنتج عبر
سلسلة القيمة. كما لا يختزل الأمن الغذائي
في تعظيم نسبة الاكتفاء الذاتي لكل سلعة، ولا حماية المزارع
في تثبيت الأسعار، ولا تطوير السوق
في إنشاء منافذ بيع إضافية بمعزل عن المعلومة واللوجستيات والتجارة والتصنيع.
ويتمثل التحدي الأكثر استراتيجية
في الانتقال من منظومة تجيد قياس الموسم بعد انتهائه إلى منظومة تستطيع قراءته وهو يتشكل، وتحديث توقعاته مع تدفق المعلومات، وربطها بالموارد والأسواق والمخاطر؛ من قرار الزراعة إلى الحصاد والتسويق، ثم إعادة المعرفة المتولدة إلى الموسم اللاحق.
خمس أولويات للمرحلة المقبلة
• بناء منظومة معلومات زراعية مرتبطة بزمن القرار، تجمع بين التعداد والسجلات الموسمية والمسوح والاستشعار عن بعد والأسواق والبيانات المكانية ضمن حوكمة تحمي السرية والجودة.
• رفع كفاءة استخدام الأرض والمياه والمدخلات، والانتقال تدريجياً من قياس الأطنان لكل دونم إلى مقاييس أكثر تكاملاً للإنتاج والقيمة بالنسبة إلى الموارد المستخدمة.
• ربط الإنتاج المتوقع بالسوق والتصنيع والتصدير قبل الحصاد، من خلال توقع المعروض وربطه بالرزنامة الزراعية والخدمات اللوجستية والأسواق المحلية والخارجية.
• إدارة الأمن الغذائي وفق وظيفة السلعة والموارد والمخاطر، من خلال مزيج متوازن من الإنتاج المحلي والتجارة والمخزون والتصنيع وتنويع مصادر الإمداد، بدلاً من استخدام نسبة الاكتفاء الذاتي هدفاً منفرداً.
• قياس الفاقد وخفضه عبر
سلسلة القيمة، حسب المحصول والمرحلة، وربطه بما يفقد معه من موارد وتكاليف وقيمة اقتصادية.
وعندها تصبح الإجابة عن سؤال «كم أنتجنا؟» بداية التحليل، لا نهايته.
ملاحظة منهجية:
يعتمد المقال على البيانات الرسمية المنشورة المتعلقة بالإنتاج النباتي
في الأردن، وبخاصة بيانات دائرة الإحصاءات العامة الخاصة بالإنتاج والمساحات والأشجار، والرقم القياسي الكمي، والأسعار الزراعية والتكاليف التسويقية، والميزانيات الغذائية والحسابات القومية، إضافة إلى البيانات الرسمية ذات العلاقة بالمياه والموارد عند استخدامها
في السياق التحليلي.
وتغطي القراءة أساساً الفترة 2025-2022، إلا أن سنة المرجع تختلف بين بعض المؤشرات وفق آخر سنة تتوافر عنها بيانات رسمية متجانسة؛ ولذلك تظهر سنة كل مؤشر صراحة، ولا يفترض أن جميع السلاسل تنتهي
في السنة نفسها.
ويستخدم الرقم القياسي الكمي لقياس حركة حجم الإنتاج وفق منهجيته الرسمية، بينما توسم الإنتاجيات ونسب التغير والمؤشرات المشتقة غير المنشورة مباشرة بأنها حسابات الباحث.
وفي المحاصيل الدائمة يميز بين المساحة وعدد الأشجار المثمرة والإنتاجية، لأن التوسع
في القاعدة الإنتاجية لا يتحول بالضرورة إلى إنتاج
في السنة نفسها.
وتقتصر مؤشرات الحسابات القومية على البيانات الرسمية المتجانسة المتاحة، ولا تمد إلى سنوات لاحقة بتقديرات بحثية يمكن أن توحي بأنها
سلسلة رسمية. ولا تعامل القيمة المضافة باعتبارها ربحاً للمزارعين، أو الاستهلاك الوسيط باعتباره إجمالي تكاليف الحيازة.
وتستخدم نسبة الاكتفاء الذاتي باعتبارها مؤشراً إلى العلاقة بين الإنتاج والاستخدام المحلي وفق منهجية الميزانية الغذائية، ولا تعامل مقياساً منفرداً للأمن الغذائي. كما لا يعني تجاوزها 100% أن الفرق يمثل تلقائياً فائضاً قابلاً للتصدير.
وفي تحليل الأسعار، يميز بين سعر باب المزرعة والتكاليف التسويقية وسعر السوق المركزي؛ فلا يعامل السوق المركزي باعتباره سعر المستهلك النهائي، ولا تفسر التكاليف التسويقية باعتبارها أرباحاً للوسطاء.
ولا تنسب التغيرات
في إنتاج المحاصيل إلى المياه أو المناخ أو المدخلات بعلاقة سببية ما لم تسمح البيانات المتجانسة زمنياً ومكانياً بذلك. كما لا يعتمد المقال نسبة وطنية موحدة للفاقد أو الهدر ما لم يكن تعريفها ومقامها وسنة قياسها ونطاقها موثقة وقابلة للمقارنة.
ويُعرض مؤشر إنتاجية مياه الري وفق تعريفه المنشور
في نظام إدارة معلومات الأمن الغذائي. ونسبة التغير بين 2022 و2025، وكذلك التغير
في مجموع الإنتاج والمياه، من حسابات الباحث استناداً إلى القيم الرسمية المنشورة. أما نسبة المياه العذبة
في 2025 فتُعرض مقربة إلى 68% بما يتسق مع المؤشر المنشور.
المراجع ومصادر البيانات:
• دائرة الإحصاءات العامة الأردنية.
• قواعد البيانات والمنشورات الرسمية ذات العلاقة بالإنتاج النباتي، والمساحات والإنتاج والإنتاجية، والرقم القياسي الكمي للإنتاج الزراعي، والأسعار الزراعية والتكاليف التسويقية، والميزانيات الغذائية، والحسابات القومية.
• نظام إدارة معلومات الأمن الغذائي (FSMIS)، مؤشرا «إنتاجية المتر المكعب من المياه للمحاصيل الزراعية المروية» و«نسبة المياه العذبة المستخدمة
في الزراعة»، 2013–2025.
• وزارة المياه والري، بيانات استخدامات المياه الداخلة
في مؤشرات نظام إدارة معلومات الأمن الغذائي وقواعد بيانات الموارد المائية الرسمية.
ملاحظة: تُذكر المصادر التفصيلية أسفل كل جدول وشكل بحسب البيانات المستخدمة فيه، وتُميز المؤشرات المشتقة بعبارة «حسابات الباحث استناداً إلى بيانات دائرة الإحصاءات العامة».
إعداد وتحليل:
المهندس
الزراعي محمد عبدالله الطوالبة
خبير الإحصاءات الزراعية والاقتصاد الزراعي
بيان البيانات والتحليل:
تعتمد البيانات الأساسية الواردة
في هذا المقال على المنشورات وقواعد البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، وعلى مؤشرات نظام إدارة معلومات الأمن الغذائي، ومدخلات بيانات المياه الصادرة عن وزارة المياه والري. أما عمليات التجميع والربط بين المؤشرات، والحسابات المشتقة، والقراءة الاقتصادية والإحصائية، والاستنتاجات التحليلية، واختيار بنية الجداول والأشكال والرسوم والإنفوجرافيك وتصميمها التحليلي، فتمثل عملاً بحثياً وتحليلياً للمؤلف، ما لم يُذكر خلاف ذلك صراحة.
حقوق النشر والاستخدام:
2026 جميع الحقوق الفكرية محفوظة للمؤلف
يُسمح بالاقتباس من هذا العمل، أو الإشارة إلى نتائجه وأرقامه وتحليلاته، واستخدام مقتطفات محدودة منه للأغراض العلمية أو البحثية أو الإعلامية، شريطة الإشارة الواضحة إلى اسم المؤلف وعنوان المقال ومصدر البيانات.
ولا يجوز إعادة نشر العمل كاملاً، أو إعادة إنتاج جداوله ورسومه وإنفوجرافيكه وتصميماته التحليلية على نحو جوهري، أو تعديلها ونسبها إلى جهة أخرى، أو استخدامها لأغراض تجارية، إلا بعد الحصول على موافقة خطية مسبقة من المؤلف.