أخبار اليوم - ساره الرفاعي
تحت وقع الحفارات، وفي واحدة من أكثر المناطق ارتباطًا بذاكرة عمّان القديمة، بدأت أعمال الحفر المرتبطة بمشروع تلفريك عمّان بالقرب من المدرج الروماني، لتتحول المشاهد سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي من صور لمشروع سياحي منتظر إلى مساحة واسعة للتعليقات الساخرة والتساؤلات.
فما إن انتشرت صور الحفريات، حتى انهالت التعليقات:
"شكله في لُقية"، "البحث عن الذهب"، "في صناديق ذهب ولا تابوت"، "شكلو راصدين شي عند المدرج والله التلفريك حجة"، فيما ذهب آخرون إلى المزاح حول وجود أنفاق أو دفائن أو آثار مدفونة في المنطقة.
وبينما تبدو غالبية هذه التعليقات في إطار السخرية والمزاح الشعبي، إلا أنها تكشف في الوقت ذاته عن سؤال أكثر جدية: ماذا يمكن أن تكشف عنه أعمال الحفر في منطقة تاريخية بهذه الحساسية؟
فالمنطقة المحيطة بالمدرج الروماني ليست مكانًا عاديًا في عمّان، بل جزء من المشهد التاريخي والأثري للمدينة، الأمر الذي يجعل أي أعمال إنشائية فيها محل اهتمام شعبي واسع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحفر وتغيير طبيعة الموقع.
ذهب.. أم آثار.. أم مجرد مشروع؟
التعليقات الشعبية بدت وكأنها أعادت إحياء واحدة من أكثر القصص حضورًا في المخيلة الأردنية: الدفائن والذهب والأنفاق السرية.
لكن اللافت أن المزاح لم يكن وحده حاضرًا.
ففي المقابل، ظهرت أصوات رحبت بالمشروع، واعتبرته خطوة نحو تطوير عمّان وتنشيط السياحة، فيما رأى آخرون أن المدينة بحاجة إلى مشاريع نقل وسياحة حديثة، مؤكدين أن التلفريك يمكن أن يكون إضافة نوعية إذا نُفذ بالشكل الصحيح.
وفي الجهة الأخرى، برزت انتقادات تتعلق بالأولويات؛ إذ تساءل بعض المعلقين: لماذا تُصرف الجهود على مشروع تلفريك بينما تعاني طرق ومناطق أخرى من مشكلات البنية التحتية؟
أحد التعليقات لخّص هذا الاتجاه بالقول: "طب اعملو شوارع المكسره"، بينما تساءل آخر عن الطرق الممتدة من الأزرق إلى الرويشد، معتبرًا أنها قد تكون أكثر إلحاحًا من وجهة نظره.
وهنا تتحول قصة الحفريات من مجرد مشروع هندسي إلى نقاش أوسع حول أولويات الإنفاق والتطوير في العاصمة: هل تحتاج عمّان اليوم إلى مشاريع سياحية وترفيهية جديدة؟ أم أن الأولوية يجب أن تكون للطرق والنقل والبنية التحتية والخدمات؟
المخاوف الأبرز.. ماذا لو ظهرت آثار؟
ومن بين التعليقات ما يعكس مخاوف حقيقية، وإن جاءت أحيانًا بصيغة ساخرة، من احتمال العثور على بقايا أثرية خلال أعمال الحفر.
وهنا تبرز مسألة مهمة: إذا ظهرت مكتشفات أثرية فعلًا أثناء تنفيذ المشروع، فما الإجراءات المتبعة؟ وهل توجد آلية واضحة للتعامل معها دون الإضرار بالموقع أو تعطيل المشروع؟
هذا السؤال أكثر أهمية من كل حكايات الذهب والدفائن التي ملأت التعليقات، لأن الحفر في محيط منطقة تاريخية يفرض بطبيعته حساسية أكبر في التعامل مع أي مكتشفات محتملة.
لكن.. لماذا كل هذا الشك؟
اللافت في ردود الفعل أن جزءًا من الجمهور لم يتعامل مع الحفريات باعتبارها أعمالًا طبيعية لتنفيذ مشروع معلن، بل بدأ يبحث عن "القصة المخفية" خلفها.
ربما لأن الأردني اعتاد على مشاريع تبدأ بالحفر وتنتهي بإثارة عشرات الأسئلة، وربما لأن الشفافية في شرح تفاصيل المشاريع الكبرى للرأي العام هي ما يقطع الطريق أمام الشائعات والتكهنات.
فكلما عرف المواطن: ماذا يُبنى؟ ولماذا هنا؟ وما مراحل التنفيذ؟ وما أثر المشروع على المنطقة؟ ومن يشرف عليه؟ وكيف تتم حماية المواقع الأثرية؟
قلّت مساحة "الذهب المدفون" و"الأنفاق السرية" في النقاش.
بين مشروع ينتظره البعض.. ومخاوف لا يمكن تجاهلها
المؤيدون يرون في التلفريك فرصة لإضافة معلم سياحي جديد لعمّان، وتحسين تجربة الزائر وربط مناطق ذات قيمة سياحية، فيما يرى المنتقدون أن الأولويات يجب أن تبدأ من مشاكل أكثر إلحاحًا في حياة المواطن اليومية.
وبين الفريقين، تقف الحفريات اليوم كصورة تختصر الجدل كله:
مشروع جديد في قلب عمّان القديمة.. فهل تكون الحفريات بداية لمشروع سياحي ناجح، أم أنها ستفتح قبل اكتماله ملفات أخرى عن الآثار، والأولويات، وكلفة التطوير، وحق المواطن في معرفة ما يجري حوله؟
أما الذهب والدفائن والتوابيت التي تصدرت التعليقات، فتبقى حتى الآن حكايات شعبية وتعليقات ساخرة لا دليل عليها، لكن كثرتها تقول شيئًا واحدًا:
الناس لا تراقب الحفريات فقط.. بل تريد أن تعرف ماذا يُبنى، ولماذا هنا، وماذا سيضيف لعمّان.