أخبار اليوم - ساره الرفاعي
بين راتب لا يواكب المصاريف.. وأسعار لا تنتظر نهاية الشهر
لم يعد السؤال بالنسبة لكثير من الأردنيين: هل أملك وظيفة؟، بل أصبح: هل ما أحصل عليه من هذه الوظيفة يكفيني لأعيش؟
فالمشكلة اليوم لا ترتبط فقط بوجود دخل من عدمه، وإنما بقدرة هذا الدخل على تغطية الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع كلفة الحياة وتراكم الالتزامات الشهرية.
راتب الموظف يدخل بداية الشهر، لكن سرعان ما يتوزع بين الإيجار أو القسط، وفواتير الخدمات، والمواصلات، والطعام، والالتزامات الأسرية، لتبقى مساحة محدودة لما يمكن أن يسمى "حياة".
وفي المقابل، يجد العامل نفسه أمام معادلة صعبة؛ الراتب ثابت أو يرتفع بنسب محدودة، بينما المصاريف لا تتوقف عند حد معين.
هل العمل وحده يكفي؟
لسنوات طويلة كان الحصول على وظيفة يُنظر إليه باعتباره الخطوة الأساسية نحو الاستقرار، لكن الواقع بالنسبة لشريحة من العاملين أصبح أكثر تعقيداً.
فقد يعمل الشخص لساعات طويلة، ويحصل على راتب شهري، لكنه في نهاية الشهر لا يستطيع ادخار شيء، أو يجد نفسه مضطراً للاستدانة قبل موعد الراتب التالي.
وهنا يظهر السؤال الأهم: هل يمكن اعتبار الشخص مستقراً اقتصادياً لمجرد أنه يعمل؟
الفقر لم يعد بالضرورة مرتبطاً بشخص بلا عمل أو بلا دخل، فهناك من يعمل ويملك دخلاً منتظماً، لكنه يعيش تحت ضغط دائم بسبب ارتفاع النفقات وضعف قدرته على مواجهة أي مصروف طارئ.
المواطن أمام قائمة لا تنتهي
المشكلة لا تقف عند أسعار المواد الغذائية فقط.
فالمواطن يدفع مقابل السكن، والمواصلات، والكهرباء، والمياه، والاتصالات، والتعليم، والعلاج، إضافة إلى احتياجات يومية لا يمكن تأجيلها.
ومع كل ارتفاع في أي بند من هذه البنود، تتقلص قدرة الأسرة على الإنفاق في بنود أخرى.
وهكذا يصبح المواطن أمام خيارات صعبة:
يقلل من الطعام؟ يؤجل العلاج؟ يستغني عن بعض الاحتياجات؟ يزيد ساعات العمل؟ أم يلجأ إلى الدين؟
الطبقة المتوسطة.. إلى أين؟
الأكثر إثارة للقلق أن الضغوط المعيشية لا تتوقف عند الأسر محدودة الدخل فقط، وإنما تطال أيضاً شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة التي تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب حياتها باستمرار.
أسرة كانت قادرة على الادخار أصبحت تنفق كامل دخلها، ومن كانت قادرة على تحمل مصروف طارئ أصبحت تلجأ إلى الأقساط، ومن كان يخطط لشراء منزل أو سيارة أو الزواج، أصبح يؤجل القرار إلى وقت غير معلوم.
وهنا لا تعود القضية مجرد ارتفاع أسعار، وإنما تتعلق بقدرة المواطن على بناء حياة مستقرة ومستقبل يمكن التخطيط له.
السؤال الأصعب
إذا كان المواطن يعمل، ويدفع الضرائب والرسوم، ويلتزم بالقروض والفواتير، فلماذا يشعر في نهاية الشهر أنه لم يحقق أي تقدم؟
هل المشكلة في انخفاض الأجور؟ أم ارتفاع كلفة المعيشة؟ أم الاثنين معاً؟
والأهم من ذلك: هل أصبح العمل في بعض الحالات وسيلة للبقاء فقط، بدلاً من أن يكون طريقاً نحو حياة أفضل؟
القضية ليست في أن الأردني لا يريد العمل، بل في سؤال أكبر:
ماذا يجب أن يكون راتب المواطن حتى يستطيع أن يعمل ويعيش، لا أن يعمل فقط ليغطي التزاماته؟
فحين يصبح الراتب مجرد مبلغ يمر من الحساب إلى الفواتير والأقساط والمصاريف، يصبح الحديث عن مستوى المعيشة أكثر إلحاحاً من الحديث عن عدد الوظائف وحده.
الأردني يريد أن يعمل.. لكنه يريد أيضاً أن يشعر أن عمله يمنحه حياة، لا مجرد القدرة على البقاء حتى نهاية الشهر.