الملكة رانيا… حين تأتي الحفيدات يُزهر في القلب عمرٌ جديد

mainThumb
الملكة رانيا… حين تأتي الحفيدات يُزهر في القلب عمرٌ جديد

31-08-2026 03:23 PM

printIcon

بقلم: الدكتورة إيمان الشمايلة
في عيد جلالة الملكة رانيا، لا تبدو التهنئة كأنها كلماتٌ تُقال في مناسبة، بل كأنها وقفةٌ أمام امرأةٍ عبرت أعوام المسؤولية وهي تحمل في قلبها أكثر مما يُرى، ثم جاءتها الحفيدات ليمنحنَ ذلك القلب معنىً آخر للزمن.
فثمة أعمارٌ تُقاس بالسنين، وأعمارٌ تُقاس بما زرعناه في الآخرين.


وحين تأتي الحفيدات إلى بيت الجدة، لا يأتي الصغيرات وحدهن؛ تأتي معهن ذاكرةٌ جديدة للفرح، وتُفتح في الروح نافذةٌ لم تكن موجودة من قبل. تصبح التفاصيل الصغيرة عظيمة: ضحكةٌ عابرة، يدٌ صغيرة تتشبث باليد، سؤالٌ بريء، وخطواتٌ لم تتعلم بعد كيف تخفي ارتباكها أمام العالم.


لكن الجدّة التي حملت مسؤولية كبيرة في الوطن، لا تنظر إلى الحفيدات كما تنظر الجدة العادية إلى أحفادها فحسب؛ إذ ترى في عيونهن امتدادًا للأمانة.
فالأطفال لا يولدون حاملين تاريخهم فقط، بل يولدون وفي أعناق الكبار مسؤولية أن يجدوا غدًا أكثر رحمةً ووعيًا وأمانًا.
ولعل أجمل ما في قدوم الحفيدات إلى حياة الملكة رانيا أن الأمومة هنا لا تنتهي عند حدود الأبناء؛ بل تتسع دوائرها. فما كانت تفعله الأم بالأمس في بناء الإنسان، يصبح اليوم أكثر عمقًا حين ترى ثمرة ذلك البناء تمشي أمامها في هيئة طفلة.
وهكذا، تأتي الحفيدة لتقول للجدة دون كلام:
لقد أثمرت السنوات.
وما أعمق هذه العبارة حين تكون حياة الإنسان مشغولةً بالعمل والعطاء والمسؤولية؛ فهناك لحظةٌ نادرة يلتفت فيها القلب إلى الوراء، لا ليرى ما مضى، بل ليرى ما الذي بقي منه.
وقد تكون الحفيدات أجمل إجابة.


إنهن لا يختصرن العمر، بل يجددنه؛ ولا يذكرن الإنسان بأنه كبر، بل يذكرنه أن في الحياة دائمًا فصلًا لم يُكتب بعد.
وفي عيد جلالة الملكة رانيا، تبدو صورة الجدة مختلفة؛ امرأةٌ تعرف أن الحنان ليس نقيض القوة، وأن المسؤولية لا تلغي الفرح، وأن الإنسان مهما اتسعت دائرة واجباته يحتاج إلى زاوية صغيرة يضع فيها قلبه جانبًا من صلابته، ويستعيد حقه في أن يفرح بطفلةٍ تضحك.


فالحفيدات لا يأتين إلى البيوت فقط؛ إنهن يأتين إلى الذاكرة، فيرتبنها بطريقة جديدة.
يجعلن الماضي أكثر دفئًا، والحاضر أكثر امتلاءً، والمستقبل أكثر استحقاقًا للعناية.
ولعل أعظم ما تمنحه الجدة لحفيداتها ليس الهدايا ولا الحكايات وحدها، بل ذلك الشعور الخفي بأن وراءهن امرأةً سبقت أعمارهن، وعرفت من الحياة ما يكفي لتدعو لهن بالأمان قبل النجاح، وبالخلق قبل المجد، وبالإنسانية قبل كل شيء.
فالأجيال لا تحتاج إلى من يورثها الاسم فقط؛ تحتاج إلى من يورثها القيمة.


ومن هنا يصبح قدوم الحفيدات مناسبةً للتأمل لا للفرح وحده؛ لأن الطفلة الصغيرة التي تنام مطمئنةً في حضن جدتها، هي في الحقيقة صورةٌ مصغرةٌ لوطنٍ نريده آمنًا، وإنسانٍ نريده كريمًا، ومستقبلٍ نريد له أن يحمل من أخلاقنا أجمل ما فيها.
كل عام وجلالة الملكة رانيا بخير،
وكل عام وقلبها أكثر امتلاءً بذلك الفرح الذي لا تصنعه الأضواء، بل تصنعه يدٌ صغيرة تمسك يد الجدة، وتقول لها دون أن تنطق: ما زال في العمر متسعٌ للحب.
وللحفيدات حكايةٌ أخرى…


فقد لا يعرفن اليوم كمّ المسؤولية التي حملتها جدتهن، لكنهن سيكبرن يومًا، وحين يقرأن التاريخ، سيكتشفن أن المرأة التي كانت تفتح لهن ذراعيها في البيت، كانت في الوقت نفسه تفتح لأجيالٍ كاملة أبوابًا من التعليم والوعي والرحمة.
وهنا تكمن عبقرية الزمن:


أن تتحول المرأة التي حملت مسؤولية أجيالٍ إلى جدةٍ تحمل طفلةً واحدة، فتشعر أن العالم كله قد صار بين ذراعيها.
كل عام وجلالة الملكة رانيا بخير،


وكل عام والحفيدات زهرٌ جديدٌ في شجرةٍ أردنيةٍ هاشميةٍ عريقة،
وكل عام يبقى الفرح في بيتها ليس فرح عائلةٍ فحسب، بل فرح أجيالٍ ترى في الغد وجهًا صغيرًا يبتسم…
فتطمئن إلى أن الحكاية لم تنتهِ،
وأن أجمل فصولها ربما بدأ الآن.