أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية وأداة يستخدمها ملايين الناس حول العالم. نستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي عندما نبحث عن معلومة، أو نترجم نصاً، أو نستخدم تطبيقات تولّد الصور والفيديوهات ويتم تنفيذ الأمرخلال ثوانٍ، تكاد تجعلنا ننسى أن خلف هذه الثواني شبكة هائلة من الأجهزة والمعالجات التي تعمل في الوقت نفسه داخل مراكز بيانات ضخمة لا تتوقف.
وبينما يتسابق العالم لتطوير نماذج أكثر ذكاءً وقدرة، يبرز سؤال لا يقل أهمية: كم تستهلك هذه التقنيات من الطاقة وهل تستطيع البنية التحتية للطاقة مواكبة هذا التسارع؟ وهل سيبقى كل شيء معتمداً على مراكز البيانات العملاقة، أم أن أجهزة الكمبيوترو الهواتف التي نحملها في جيوبنا ستصبح جزءاً من الحل؟
الذكاء الاصطناعي ليس مفهوماً جديداً. تعود الفكرة إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأ العلماء يحلمون ببرامج تستطيع التعلم وتنفيذ مهام تشبه بعض قدرات الإنسان. لكن هذه المحاولات بقيت محدودة لعقود بسبب ضعف قدرة الحواسيب وقلة البيانات المتاحة.
اليوم تغير المشهد بالكامل .حيث شهد الذكاء الاصطناعي قفزة هائلة خلال السنوات العشر الأخيرة، بفضل ثلاثة عوامل رئيسية: توفر كميات ضخمة من البيانات، والتطور الكبير في الرقائق والمعالجات الإلكترونية، وظهور الحوسبة السحابية التي تسمح بتشغيل برامج وخدمات معقدة عبر الإنترنت .ومع امتلاك الحواسيب لمعالجات قادرة على تنفيذ مليارات العمليات في الثانية، أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات والتعلم منها وتقديم خدمات في مجالات متعددة، من التعليم والطب إلى الأعمال والإعلام.
عندما تكتب سؤالاً في تطبيق للذكاء الاصطناعي، قد تظن أن هاتفك هو الذي يفكر في الإجابة. لكن الحقيقة أن العملية غالباً تحدث في مكان آخر .يسافر طلبك عبر الإنترنت إلى مركز بيانات قد يكون في دولة أخرى، وهناك تستقبله آلاف المعالجات المتخصصة التي تعمل معاً لإنتاج الإجابة، ثم تعود النتيجة إليك خلال ثوانٍ .يمكن تخيل مركز البيانات على أنه مكتبة عملاقة، لكن بدلاً من الكتب توجد آلاف الحواسيب والخوادم المتصلة ببعضها. هذه الأجهزة تعمل على مدار الساعة لتخزين المعلومات وتشغيل التطبيقات وخدمة ملايين المستخدمين حول العالم .لكن تشغيل هذه الأجهزة يحتاج إلى الكهرباء، والكهرباء لا تستخدم فقط لتشغيل المعالجات. فالحرارة الناتجة عن تشغيل آلاف الأجهزة تحتاج أيضاً إلى أنظمة تبريد متطورة للحفاظ على الأجهزة ضمن درجات الحرارة المناسبة.
وهنا تبدأ تحديات الطاقة حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات الزيادة الجديدة في الطلب على الكهرباء بينما تعتبر مراكز البيانات مدن رقمية تستهلك الكهرباء .تقدر الوكالة الدولية للطاقة استهلاك مراكز البيانات حول العالم بنحو 485تيراواط/ساعة في عام 2025، أي ما يقارب 1.5% من الاستهلاك العالمي للكهرباء .ولتقريب الرقم للقارئ، بلغ استهلاك الأردن من الكهرباء نحو 23.3 تيراواط/ساعة في عام 2024 وفق البيانات المنشورة عن وزارة الطاقة. أي أن استهلاك مراكز البيانات عالمياً في عام واحد يعادل أكثر من 20 ضعف استهلاك الأردن السنوي من الكهرباء.والأمر لا يتوقف هنا .تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يصل استهلاك مراكز البيانات إلى نحو 950 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، أي ما يقارب 3% من إجمالي الطلب العالمي على الكهرباء. وإذا استخدمنا استهلاك الأردن الحالي للمقارنة، فإن هذا الرقم يعادل أكثر من 40 ضعفاً لاستهلاك الأردن السنوي.
في كثير من الدول، أصبح الحديث عن مراكز البيانات جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بالبنية التحتية والموارد الطبيعية .فإلى جانب الكهرباء، تحتاج بعض أنظمة التبريد إلى المياه، بينما تعتمد مراكز أخرى على أنظمة تبريد صناعية ضخمة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح عملية التبريد أكثر أهمية وتكلفة .ولهذا أصبح اختيار موقع مركز البيانات قراراً استراتيجياً يأخذ في الاعتبار المناخ، وتوفر الكهرباء، والمياه، والبنية التحتية، وقربه من شبكات الاتصالات.
ولهذا السبب تتنافس شركات التكنولوجيا اليوم على تطوير طرق جديدة لتقليل استهلاك الطاقة ورفع كفاءة مراكز البيانات ضمن سباق البحث عن حلول جديدة .هناك تطور سريع في تصميم الرقائق والمعالجات، وفي أنظمة التبريد، وفي استخدام مصادر الطاقة المتجددة. كما يجري البحث عن مواقع أكثر برودة لتقليل الحاجة إلى التبريد، وظهرت تجارب لاستغلال البيئات البحرية في تبريد مراكز البيانات. بل إن فكرة نقل مراكز البيانات إلى الفضاء بدأت تظهر في النقاشات المستقبلية، مستفيدة من الطاقة الشمسية والبيئة الفضائية، لكن هذه الفكرة ما زالت بعيدة عن أن تكون حلاً عملياً واسع النطاق، بسبب تحديات الإطلاق والصيانة واستبدال المعدات ونقل البيانات.
هنا يظهر اتجاه تقني جديد ومهم يمكن أن يغير جزءاً من المعادلة .هل يصبح الهاتف أكثر ذكاءً؟ بدلاً من إرسال كل طلب إلى مركز بيانات بعيد، ممكن للعديد من عمليات الذكاء الاصطناعي أن تنفذ مباشرة داخل الهاتف أو الحاسوب الشخصي، وهو ما يعرف باسم الذكاء الاصطناعي على الجهاز . (On-device AI)وهذا الاتجاه يحمل عدة فوائد، حيث يمكن أن يقلل الحاجة إلى إرسال البيانات باستمرار إلى مراكز البيانات. وجعل بعض الخدمات أسرع، ويمكن أن يعزز الخصوصية، لأن بعض البيانات تبقى داخل الهاتف ولا تغادره .بينما المهام الكبيرة، مثل تدريب النماذج العملاقة أو تشغيل الخدمات التي يستخدمها ملايين الأشخاص في الوقت نفسه، ستظل بحاجة إلى مراكز بيانات قوية.
لذلك يبدو أن المستقبل سيكون مزيجاً من الاثنين: جزء من العمل سيتم في السحابة، وجزء آخر سينتقل إلى الأجهزة التي نحملها في انتقال من مركزية كاملة للحوسبة إلى نموذج أكثر توزيعاً وتوازناً.
قد يظن البعض أن هذه القضية تخص الدول الكبرى فقط، لكنها تهم الأردن أيضاً .فالتحول الرقمي يتسارع، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والأعمال والبحث العلمي والقطاع الحكومي سيزداد خلال السنوات المقبلة .وهذا يدعو إلى التفكير منذ الآن في كيفية إنشاء بنية رقمية أكثر كفاءة واستدامة و المشاركة في صناعه هذه التقنيات .وهذا يحتاج إلى استراتيجية وطنية تشارك فيها الدولة والجامعات والقطاع الخاص ومراكز البحث العلمي. هدفها أن ينتقل الأردن من موقع مستهلك للتقنية إلى شريك في تطويرها وصناعتها .فالمنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد على امتلاك التكنولوجيا فقط، بل على امتلاك القدرة على تطويرها وقيادتها.
يمتلك الأردن ثروة حقيقية تتمثل في موارده البشرية؛ فجامعاتنا تخرّج آلاف المهندسين والمبرمجين والباحثين كل عام بالإضافة إلى آلاف المهندسين والمبرمجين الذين أثبتوا نجاحهم في كبرى الشركات العالمية. وإذا استثمرنا في هذه العقول، وربطنا التعليم بالبحث العلمي وريادة الأعمال، فيمكن للأردن أن يبني نقاط قوة في تصميم البرمجيات، وتطوير خوارزميات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وحلول ذكاء اصطناعي تناسب احتياجات منطقتنا. والأردن يمتلك تجربة مهمة في الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، ويمكن لهذه التجربة أن تساعد في توفير جزء أكبر من الطاقة اللازمة للبنية الرقمية .
صحيح أننا قد لا نبني أكبر مراكز البيانات في العالم، لكننا نستطيع أن نبني العقول التي تطور التقنيات التي ستشغّل تلك المراكز. فالريادة في تقنيات المستقبل تبدأ ببناء أكبر قاعدة من العقول المبدعة. وهذه فرصة وطنية حقيقية ليكون الأردن في موقع الصدارة في أحد أهم التحولات التي تشهدها البشرية في القرن الحادي والعشرين.
د. ماهر سليمان الزيادات
أستاذ مساعد في الاستدامة والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال
المملكة المتحدة