يوسف باشا الحنيطي

mainThumb
يوسف باشا الحنيطي

02-09-2026 07:10 PM

printIcon

سهم محمد العبادي

اليوم، ربما يعود الفريق يوسف باشا الحنيطي «أبو محمد» إلى البيت في وقت أبكر من المعتاد، وربما يطيل النظر إلى اللباس العسكري، إلى الرتبة التي استقرت على الكتفين، وإلى البوريه التي حملت شعار الجيش العربي، ثم يدرك أن صباح الغد سيكون مختلفًا؛ لا إيجاز صباحيًا، ولا أمر عمليات ينتظر، ولا جولة ميدانية بين التشكيلات والوحدات، ولا اتصال من غرفة العمليات يحمل خبرًا من الحدود. اليوم طويت صفحة طويلة من حياة عسكري أردني، بعد صدور الإرادة الملكية السامية بترفيع اللواء الركن يوسف الحنيطي إلى رتبة فريق وإحالته إلى التقاعد.

والتقاعد عند العسكر كلمة ثقيلة؛ فالمدني يغادر مكتبه، أما العسكري فيغادر حياة كاملة. يترك خلفه صوت طابور الصباح، وقع البساطير في ساحات المعسكرات، رائحة السلاح، هدير الطائرات، تحية الجنود، الميس ورفاق السلاح، وأيامًا طويلة تقاسم فيها معهم برد المواقع الأمامية وحرها وقلق الحدود. وحين يمضي الرجل عمره في الجيش، يصبح الانضباط جزءًا من طبعه، والساعة العسكرية جزءًا من يومه، وتصبح التحية التي يرفعها بيده شيئًا من تكوينه، لا حركة يتعلمها وينساها.

وأبو محمد لم تكن العسكرية غريبة عن بيته. هو ابن أحمد الحنيطي، العسكري الذي سبقه إلى شرف الخدمة في الجيش العربي، ومن بيت عرف الفوتيك قبل أن يرتديه يوسف، وعرف معنى أن يخرج الابن صباحًا لخدمة وطنه قبل أن يعرف المناصب والرتب. وأذكر أنني جلست معه في مكتبه أكثر من مرة، وطال بيننا الحديث عن العسكر وأبناء العسكر. كنت أحدثه وأنا ابن عسكري، وكان يحدثني وهو ابن عسكري، وفي إحدى تلك الجلسات قال لي بكلمات بقيت عالقة في ذاكرتي: «إحنا كلنا أولاد عسكر، وكلنا من أجل هذا الوطن وشعبه وقيادته». يومها لم يكن الحديث بين صحفي ورئيس هيئة أركان بقدر ما كان حديث اثنين يعرفان ماذا يعني أن يكبر الطفل في بيت عسكري؛ أن ينتظر أباه، وأن يرى التكميل جزءًا من البيت، وأن يسمع منذ الصغر أن خدمة الأردن شرف لا يعلوه شرف. في بيوت كهذه تكون العسكرية إرثًا يتوارثه الأبناء من الآباء، وتكون صورة الأب بلباسه العسكري أول درس في معنى الجندية، وهكذا كان يوسف باشا امتدادًا لأبيه، وأمضى عمره تحت راية الجيش العربي.

يوسف باشا من مدرسة الجيش العربي التي يعرفها الأردنيون جيدًا؛ مدرسة الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بوحداتهم ورفاقهم والميدان أكثر من ارتباطها بالمكاتب. ولهذا تأخذني صورة أبو محمد اليوم إلى الصور القديمة المعلقة في ذاكرة الأردنيين، إلى رجالات الجيش ورفاق السلاح، وإلى وجوه عسكرية أردنية صنعت تاريخها في الميدان، حملت الرتب على أكتافها وكان الأردن في صدورها. لكل زمن سلاحه ورجاله وميدانه؛ فمنهم من عرف البندقية والخندق والمواقع الأمامية، ويوسف عرف قمرة الطائرة وسماء الأردن، ثم عرف القيادة من موقع المسؤولية الأولى في الجيش. تغيّر السلاح والميدان، وبقي القسم للأردن واحدًا.

مرت خلال سنوات قيادة الحنيطي أيام ثقيلة على الأردن والمنطقة؛ واجهات حدودية ساخنة، ومحاولات تسلل وتهريب للمخدرات والأسلحة، وحروب حولنا، وصواريخ وطائرات مسيرة في سماء الإقليم. كانت وحدات حرس الحدود في مواقعها، وسلاح الجو في سمائه، والتشكيلات على جاهزيتها، والجندي الأردني قابضًا على سلاحه. كنا ننام، وفي أقصى الشمال والشرق والجنوب نشمي يقف في موقعه، وخلفه قيادة تعرف أن أمن الأردن أمر عمليات لا يحتمل التأخير.

اليوم لا يحتاج أبو محمد إلى تعداد المواقع التي خدم فيها، ولا الأوسمة التي حملها، ولا الساعات التي قضاها في الجو أو غرف العمليات. يكفيه وهو يؤدي التحية الأخيرة من موقعه أن يلتفت خلفه، فيرى الجيش العربي ثابتًا في مواقعه، تشكيلاته على جاهزيتها ورايته عالية. هذه عند العسكري أثمن من وسام، وأبقى من منصب.

وغدًا، قد يستيقظ يوسف باشا على الساعة العسكرية نفسها التي رافقته عمرًا، ثم يتذكر للمرة الأولى منذ عقود أن صباحه هذه المرة له. وربما يرفع رأسه تلقائيًا كلما سمع هدير طائرة، ويتوقف بنظره عند أول جندي يمر أمامه، وتذهب يده دون قصد نحو التحية التي رافقته عشرات السنين.

فالرتبة تغادر الكتف، والموقع يُسلَّم إلى رفيق سلاح آخر، والفوتيك يستريح في الخزانة، لكن ما صنعته سنوات العسكرية في الرجل يبقى معه. وأقولها لك اليوم يا أبا محمد كما كنا نتحدث في مكتبك عن العسكر وأبناء العسكر: قد تغادر موقعك، لكن مكانك ومكانتك بيننا لا يغادران، وقربك منا سيبقى كما عرفناه، فأنت ابن هذا الوطن، وابن جيشه، وابن بيت من بيوت عسكره، وما جمع أبناء العسكر يومًا لم يكن منصبًا ولا رتبة، وإنما محبة الأردن والوفاء لشعبه وقيادته.

أما الجندية يا أبا محمد، فلا تعرف التقاعد.