أخبار اليوم - سارة الرفاعي - قالت الدكتورة رولا بزادوغ إن الأجيال الحالية باتت تواجه صعوبة أكبر في التعامل مع الانتظار وتأخر النتائج، في ظل بيئة رقمية سريعة اعتادت تقديم المعلومات والمكافآت بصورة فورية، مؤكدة أن المشكلة لا تتمثل بالضرورة في أن الإنسان أصبح أقل صبراً، وإنما في أن العالم المحيط به أصبح يدفعه باستمرار نحو السرعة والاستجابة الفورية.
وأوضحت بزادوغ أن الإنسان يبدأ يومه في كثير من الأحيان بتفقد الهاتف ومتابعة الإشعارات والرسائل والأخبار ومقاطع الفيديو، ليتلقى خلال دقائق عشرات المحفزات والمعلومات، ثم ينتقل إلى العمل أو الدراسة ويُطلب منه التركيز على مهمة واحدة لفترة طويلة، معتبرة أن هذا التباين بين البيئة الرقمية السريعة ومتطلبات الحياة اليومية قد يجعل التركيز والانتظار أكثر صعوبة.
وأضافت أن الاعتياد على الحصول على المكافأة بصورة فورية ينعكس على طريقة تعامل الإنسان مع الأهداف التي تحتاج إلى وقت، موضحة أن الشخص قد يطلب شيئاً فيصله سريعاً، ويرسل رسالة وينتظر الرد فوراً، أو يبحث عن معلومة ويحصل عليها خلال ثوانٍ، في حين أن بناء مشروع أو تطوير مهارة أو تحسين اللياقة البدنية أو بناء علاقة مستقرة يحتاج إلى أسابيع أو أشهر أو سنوات.
وحذرت بزادوغ من الخلط بين بطء النتيجة وفشل الطريق، مشيرة إلى أن عدم ظهور النتائج بسرعة لا يعني أن الإنسان يسير في الاتجاه الخاطئ، فقد يكون التقدم موجوداً لكنه بطيء ولا يظهر بصورة يومية.
وأكدت أن الحديث عن أن الهاتف «يدمر الدوبامين» بصورة مباشرة ومطلقة ليس دقيقاً علمياً، موضحة أن الأدق هو القول إن البيئة المحيطة أصبحت مليئة بالمحفزات السريعة والمكافآت المتكررة، وهو ما قد يجعل المهام البطيئة أو التي تتطلب جهداً مستمراً أقل جاذبية مقارنة بالمحتوى السريع.
ولفتت إلى أن هذا النمط أصبح واضحاً في السلوكيات اليومية، إذ أصبح كثيرون يلجأون إلى الهاتف بمجرد وجود ثوانٍ من الفراغ، سواء أثناء انتظار المصعد أو عند إشارة المرور أو خلال انتظار موعد، ما يقلل من فرص ممارسة الانتظار وتحمل الملل.
وقالت بزادوغ إن «الصبر مهارة» تحتاج إلى ممارسة، ولا يمكن اكتسابها بمجرد الحديث عنها، مشيرة إلى أهمية منح الإنسان نفسه فرصاً حقيقية للانتظار وتأجيل المكافأة وعدم ملء كل لحظة فراغ بالمحفزات الرقمية.
وفيما يتعلق بالأطفال، أوضحت أن الصبر يتعلم بالممارسة، وأن تلبية كل رغبات الطفل بصورة فورية أو اللجوء إلى الشاشة بمجرد شعوره بالملل قد يحرمه من فرصة مهمة لتعلم الانتظار وتحمل عدم الحصول على ما يريد فوراً.
وشددت على أن الهدف ليس منع الأطفال من التكنولوجيا أو تعقيد حياتهم، وإنما توفير تجارب يتعلمون من خلالها أن بعض الرغبات تحتاج إلى وقت، وأن عدم الحصول على الشيء فوراً ليس بالضرورة أمراً سلبياً.
وحذرت بزادوغ في الوقت ذاته من تحول الرغبة في السرعة إلى رغبة دائمة في الراحة، بحيث يصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى ترك الدراسة عندما تصبح صعبة، أو التخلي عن العمل عندما يواجه الإحباط، أو إنهاء العلاقة لمجرد أنها لا تسير بالسرعة التي يتوقعها، أو تغيير الخطة قبل منحها الوقت الكافي لإظهار نتائجها.
وأكدت أن هناك جوانب أساسية في الحياة لا يمكن اختصارها بالسرعة، فالثقة تحتاج إلى وقت، والتربية تحتاج إلى وقت، والعلاقات تحتاج إلى وقت، كما أن تغيير الجسم والتعافي النفسي وتطوير المهارات وبناء المشاريع كلها عمليات تراكمية لا يمكن قياس نتائجها خلال أيام قليلة.
ودعت إلى تجربة ممارسة «البطء المقصود» في بعض تفاصيل الحياة، من خلال قراءة كتاب كامل بدلاً من الاكتفاء بملخصه، أو المشي دون استعجال، أو الجلوس مع الأبناء بعيداً عن الشاشات، أو تأجيل الرد على رسالة استفزازية، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تساعد الإنسان على استعادة قدرته على الانتظار.
وقالت إن السؤال الذي يمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه عندما يشعر بأنه يريد النتيجة فوراً هو: «هل هناك فعلاً شيء يجب أن أفعله الآن، أم أنني فقط لا أحتمل الانتظار؟»، معتبرة أن التمييز بين الأمرين يمكن أن يغير طريقة التعامل مع كثير من المواقف.
وختمت بزادوغ بالتأكيد على ضرورة عدم اختزال الجيل الأصغر بصفات مثل الكسل أو قلة الصبر، موضحة أن هذا الجيل نشأ في عالم سريع جداً يوفر المعلومات والمتعة والاستجابة خلال ثوانٍ، وأن فهم هذه البيئة وتأثيراتها السلوكية أكثر أهمية من إطلاق الأحكام على الأجيال الجديدة.