الخروج عن المألوف… عندما تتصدر المرأة «الجاهة»

mainThumb
الخروج عن المألوف… عندما تتصدر المرأة «الجاهة»

13-09-2026 11:22 AM

printIcon

بقلم الدكتور مطيع صالح الشبلي

في مجتمعنا الأردني، للجاهة مكانة خاصة في مناسبات الزواج، فهي ليست مجرد مجموعة من الأشخاص يذهبون لطلب يد فتاة، وإنما هي واحدة من أجمل صور التواصل الاجتماعي، وتعبير عن الاحترام والتقدير بين العائلات.

وعندما تصل الجاهة إلى بيت أهل العروس، يجلس الرجال في مقدمتها، ويتقدمهم كبير الجاهة الذي يحمل كلمة أهل العريس، فيطلب يد العروس، وتأتي الإجابة بالقبول أو الاعتذار، وسط أجواء من الاحترام والكرم والمودة.

هذه العادة لم تكن يومًا انتقاصًا من المرأة، ولا تعني أن الرجل أفضل منها، وإنما هي عرف اجتماعي متوارث ارتبط بالأدوار التي اعتاد المجتمع أن يؤديها الرجال في المناسبات العشائرية والاجتماعية.

لكننا شهدنا مؤخرًا مشهدًا مختلفًا؛ امرأة أردنية تترأس جاهة لطلب عروس، وتتقدم بكلمة الجاهة وتحل محل كبير الجاهة الرجل.

المشهد بالتأكيد جديد وخارج عن المألوف، وقد يراه البعض صورة جميلة من صور تمكين المرأة وإثبات حضورها في الحياة العامة، وهو بالفعل يعكس حجم التحول الذي طرأ على دور المرأة الأردنية ومكانتها.

فالمرأة الأردنية اليوم حاضرة في الجامعة، والمستشفى، والوزارة، والبرلمان، والجامعة، والشركات، والقضاء، ومختلف مواقع العمل والإنجاز، وأثبتت أنها قادرة على تحمل المسؤولية والقيادة والكفاءة.

لكن هل يعني تمكين المرأة بالضرورة أن تحل محل الرجل في كل الأدوار التي اعتاد المجتمع أن يؤديها؟

هنا تكمن المسألة التي تستحق النقاش.

نحن مع تمكين المرأة، ومع منحها حقوقها كاملة، ومع تقدير إنجازاتها وقدراتها، ولكننا في الوقت ذاته مع الحفاظ على العادات والتقاليد الجميلة التي تشكل جزءًا من هوية المجتمع الأردني.

فالحداثة لا تعني أن نهدم كل ما ورثناه، كما أن المحافظة على العادات لا تعني رفض التطور.

هناك فرق بين أن نفتح للمرأة أبواب المشاركة والقيادة، وبين أن نعتقد أن نجاح المرأة لا يكتمل إلا عندما تقوم بكل ما كان يقوم به الرجل.

المرأة ليست بحاجة إلى أن تصبح رجلًا حتى تثبت أنها قوية. والرجل ليس بحاجة إلى إقصاء المرأة حتى يحافظ على مكانته.

الأدوار الاجتماعية يمكن أن تتغير وتتطور، ولكن ليس بالضرورة أن يكون التغيير دائمًا باتجاه إلغاء الفوارق الرمزية بين الرجل والمرأة.

فالجاهة، على سبيل المثال، لها رمزية اجتماعية وعشائرية خاصة. وكبير الجاهة لا يحمل فقط كلمات الطلب، وإنما يحمل رمزية أهل العريس ومكانتهم واحترامهم لأهل العروس. ولذلك فإن استبدال الرجل بالمرأة في هذا الدور قد يكون خروجًا عن المألوف، ويستحق النقاش من زاوية اجتماعية وثقافية، بعيدًا عن لغة التخوين أو الاتهام بالرجعية.

قد يقول البعض: لماذا لا تكون المرأة كبيرة الجاهة؟ وما المانع ما دامت قادرة على أداء المهمة؟

والإجابة أن المسألة ليست مسألة قدرة؛ فالمرأة قادرة بلا شك. وإنما هي مسألة رمزية اجتماعية وعرف متوارث.

فليس كل ما نستطيع القيام به يجب أن نقوم به بالضرورة، وليس كل تغيير في الأدوار التقليدية يعني تقدمًا.

نحن بحاجة إلى تمكين المرأة دون تحويل العلاقة بينها وبين الرجل إلى منافسة على الأدوار.

نريد امرأة شريكة، قيادية، عالمة، منتجة، وفاعلة في المجتمع، لكننا نريد أيضًا أن تبقى للأسرة والعادات والمناسبات الاجتماعية خصوصيتها. ونريد رجلًا يشارك المرأة في المسؤوليات، ويحترم نجاحها، ويؤمن بقدراتها، دون أن يشعر أن عليه التخلي عن دوره أو أن وجوده أصبح بلا معنى.

التكامل أجمل من التنافس، والشراكة أعمق من تبادل الأدوار.

وربما يكون السؤال الأهم الذي يطرحه هذا المشهد ليس: هل يجوز للمرأة أن تترأس الجاهة؟ وإنما:

إلى أي مدى نستطيع أن نحدث مجتمعنا ونمكن المرأة، دون أن نفقد ملامح هويتنا الاجتماعية التي تميزنا؟

فالمجتمعات لا تتقدم عندما تتخلى عن ماضيها، ولا تتقدم عندما ترفض المستقبل؛ وإنما تتقدم عندما تعرف ما الذي ينبغي أن يتغير، وما الذي يستحق أن يبقى.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في هذه المناسبة:

نحن مع تمكين المرأة… ولكننا مع تمكين يحترم هوية المجتمع، ومع الحداثة التي لا تلغي الأصالة، ومع التطور الذي لا يجعل الرجل والمرأة في صراع على من يأخذ مكان الآخر.

فليس كل خروج عن المألوف خطأ، وليس كل خروج عن المألوف تقدمًا.

وبين الاثنين تبقى الحكمة هي الحكم.