اخبار اليوم - في كهف لاسكو الفرنسي، لا يحتاج الزائر إلى لمس الرسوم كي يترك أثرًا عليها. حرارة جسده وأنفاسه والرطوبة التي يحملها معه، إلى جانب الإضاءة والتجهيزات التي تتطلبها الزيارة، يمكن أن تغيّر البيئة الدقيقة التي حفظت تلك الأعمال نحو 20 ألف عام. لهذا، تبدأ مشاهدة أحد أشهر كنوز الفن القديم اليوم بمفارقة:
نزور نسخة شديدة الدقة منه،
فيما يبقى الأصل مغلقًا أمام الجمهور.
تعود بداية القصة إلى 12 سبتمبر/ أيلول 1940، حين دخل أربعة فتية تجويفًا في تل قرب بلدة مونتيناك في دوردونيه، جنوب غربي فرنسا. كانوا يستكشفون فتحة تقود إلى باطن التل، فإذا بالجدران تكشف عالمًا كاملًا من الحيوانات والخطوط والألوان تركه بشر عاشوا في العصر الحجري القديم. وتضع وزارة الثقافة الفرنسية رسوم لاسكو عمومًا في نطاق يعود إلى نحو 18 إلى 20 ألف عام.
بعد 86 عامًا على الاكتشاف، يطرح لاسكو سؤالًا يتجاوز الآثار:
كيف نتيح للناس رؤية كنز إنساني حين تصبح زيارته نفسها خطرًا عليه؟
أربعة فتية أمام عالم على الجدران
بدأت الحكاية قبل أربعة أيام من الاكتشاف، عندما حاول مارسيل رافيدا، وهو متدرّب في تصليح السيارات، استكشاف فتحة في التل ولم تكن لديه الوسائل المناسبة. في 12 سبتمبر عاد برفقة جاك مارسال وجورج أنييل وسيمون كوينكاس.
وبحسب رواية وزارة الثقافة الفرنسية لاكتشاف لاسكو، فقد وسّع الأربعة الفتحة، ونزل رافيدا أولًا عبر ممر عمودي صغير، ثم لحق به رفاقه. وبضوء مصباح أُعدّ على عجل، تقدموا داخل تجويف يبلغ طوله عشرات الأمتار قبل أن تظهر أمامهم الرسوم الأولى.
لم تتوقف المغامرة في ذلك اليوم. عاد الفتية في اليوم التالي بحبل، ونزل رافيدا إلى بئر يبلغ عمقه نحو ثمانية أمتار، حيث وجد المشهد الشهير الذي يصوّر إنسانًا وثورًا.
أبلغوا معلّمهم ليون لافال بما اكتشفوه، ونزل إلى الكهف في 18 سبتمبر، قبل أن يصل الباحث في عصور ما قبل التاريخ هنري بروي لمعاينة الموقع لاحقًا في الشهر نفسه.
وفي عام 1979، أُدرج لاسكو مع مواقع وكهوف أخرى في وادي فيزير على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
تكمن جاذبية لاسكو في أن جدرانه تتيح الاقتراب من عمل أشخاص لا نعرف أسماءهم: كيف لاحظوا الحيوانات، واستفادوا من نتوءات الصخر وانحناءاته، واستخدموا الرسم والنقش واللون لتحويل الجدار نفسه إلى جزء من الصورة.
هذا النوع من الفن الصخري ما زال يكشف مفاجآت جديدة؛ فقد عُثر حديثًا في سيناء على رسوم ونقوش تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، فيما أعاد اكتشاف في إندونيسيا طرح السؤال عن أقدم عمل فني تصويري معروف.
حين أصبحت الزيارة جزءًا من المشكلة
فُتح لاسكو للجمهور عام 1948، وسرعان ما تحول إلى مقصد سياحي كبير. لكن استقبال الزوار احتاج إلى تعديلات داخل الموقع وحوله، من توسيع الوصول إلى إزالة جزء من الركام عند المدخل وتركيب تجهيزات للإضاءة والتهوية. غير أنّ المشكلة أن الركام الذي أُزيل كان يؤدي دورًا في تنظيم تبادل الهواء بين الكهف والعالم الخارجي، فتحولت تهيئة الموقع للزيارة نفسها إلى عامل في تغيير توازنه الداخلي.
ثم جاء أثر الحضور البشري. فالزوار يرفعون الحرارة والرطوبة ويطلقون ثاني أكسيد الكربون بالتنفس، بينما وفّرت الإضاءة الاصطناعية ظروفًا ملائمة لنمو كائنات تعتمد على الضوء. ظهرت بقع خضراء وطحالب على الجدران، ومع زيادة أعداد الزوار صار الخطر أوضح. وقبيل الإغلاق كان لاسكو يستقبل ما يصل إلى 1800 شخص في اليوم في ذروة الزيارة.
كيف تؤذي الزيارة كهفًا؟
في 20 أبريل/ نيسان 1963، اتخذ وزير الثقافة الفرنسي أندريه مالرو القرار الحاسم: إغلاق الكهف أمام الجمهور حفاظًا على رسومه. كان القرار لافتًا لأن المشكلة لم تعد عدد الزوار أو تنظيم الطوابير، وإنما وجود الزائر نفسه داخل بيئة لم تتطور لاستقباله.
لكن الإغلاق لم يُنهِ الإغلاق كل المشكلات. ففي العقود التالية واجه الكهف أزمات فطرية وميكروبية وظهور بقع على بعض الأسطح، ما جعل الحماية عملية مستمرة تعتمد على مراقبة المناخ والرطوبة والجدران والتحكم الصارم بالدخول. وقد أثارت هذه الأزمات في مراحل مختلفة اهتمام لجنة التراث العالمي نفسها.
كيف نزور لاسكو من دون دخول الأصل؟
جاء الحل من فكرة تبدو بسيطة وصعبة التنفيذ في الوقت نفسه:
إذا كان الجمهور لا يستطيع الذهاب إلى الكهف،
يمكن إعادة بناء الكهف للجمهور.
وبالفعل، عام 1983 افتُتح "لاسكو 2" على التل نفسه.
لا يقدم المكان صورًا معلّقة على جدران متحف، وإنما يعيد إنتاج قاعة الثيران والممر المحوري بأحجامهما وتضاريسهما، مع محاولة محاكاة الألوان وتقنيات الرسم والسطوح الصخرية. ومنذ افتتاحه، استقبلت هذه النسخة وحدها ملايين الزوار.
لاسكو الذي نزوره ليس لاسكو الأصلي
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2016 افتُتح "لاسكو 4"، أو المركز الدولي لفن الكهوف، وفيه إعادة إنتاج شبه كاملة للموقع الأصلي اعتمادًا على المسح ثلاثي الأبعاد وتقنيات صناعة النسخ الدقيقة.
حتى الجو صُمم ليقارب تجربة الكهف، على مستوى الظلام والرطوبة وخفوت الصوت، مع وسائل رقمية تشرح الرسوم وطرق دراستها وحمايتها.
لا تمنح النسخة إحساس الوقوف أمام السطح نفسه الذي رسم عليه بشر قبل آلاف السنين، لكنها تحل معادلة كان يصعب حلها بغير ذلك: إتاحة التراث من دون استهلاكه. كما تسمح بإضاءة التفاصيل وشرح التقنيات واستقبال أعداد كبيرة من الناس من دون نقل الضغط إلى الكهف الهش.
أما لاسكو الأصلي، فلا يمكن حجز تذكرة إليه اليوم. الدخول إليه يقتصر على عدد نادر من الباحثين والمختصين المخوّلين بمراقبته وحمايته.