اخبار اليوم - قد تبدو العلكة الملوّنة بنكهاتها وأشكالها المتعددة ابتكارًا حديثًا، لكن عادة مضغ المواد الصمغية أقدم من الصناعة التي نعرفها اليوم بآلاف السنين.
فقد مضغ البشر راتنجات الأشجار وقطران لحائها لأغراض مختلفة، تراوحت بين تليين مواد تُستخدم في صنع الأدوات وتخفيف ألم الأسنان ومقاومة الجوع والعطش، وربما لمجرد الاستمتاع بالمضغ.
انتقلت العلكة لاحقًا من مادة طبيعية ترتبط ببيئات وثقافات محددة إلى منتج تجاري واسع الانتشار. وأسهمت التجارب الصناعية وحملات التسويق وظهور علكة الفقاعات في تحويلها إلى سوق عالمية تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات.
لكن شهرة العلكة رافقتها قائمة طويلة من الفوائد المنسوبة إليها، من تحسين التركيز وتخفيف التوتر إلى حماية الأسنان وضبط الشهية.
ولا تحظى هذه الادعاءات جميعها بالدرجة نفسها من الأدلة؛ فبعضها تدعمه نتائج واضحة نسبيًا، فيما لا يزال بعضها الآخر متباينًا أو محدودًا.
علكة ما قبل التاريخ
تشير الأدلة الأثرية إلى أن سكان شمال أوروبا مضغوا قطران لحاء البتولا قبل نحو 9000 عام على الأقل. ولا يعرف الباحثون على وجه اليقين سبب مضغه؛ فقد يكون الهدف تليينه قبل استخدامه مادة لاصقة، أو الاستفادة من خصائصه المطهرة نسبيًا، أو تخفيف ألم الأسنان والجوع، أو الاستمتاع بالمضغ.
وأظهرت قطعة من قطران البتولا عُثر عليها في الدنمارك ويبلغ عمرها نحو 5700 عام مقدار المعلومات التي يمكن أن تحتفظ بها هذه المادة. فقد تمكن باحثون من جامعة كوبنهاغن من استخراج جينوم بشري كامل منها، إلى جانب آثار ميكروبات فموية وبقايا غذاء، ما حوّل
قطعة من قطران لحاء البتولا عُثر عليها في موقع سيلتهولم بالدنمارك، وتمكن الباحثون من استخراج جينوم بشري كامل منها بعد نحو 5700 عام على مضغها.
أما في أميركا الوسطى، فاستخرج شعب المايا مادة "التشيكل" من عصارة شجرة السابوديلا ومضغها لمقاومة العطش والجوع. وكانت للعلكة لدى الأزتيك قواعد اجتماعية تحدد من يمكنه مضغها علنًا؛ فسمح بذلك للأطفال والنساء غير المتزوجات، بينما كان يُنتظر من المتزوجات والأرامل والرجال مضغها بعيدًا عن الأنظار، غالبًا لتنظيف الأسنان أو إنعاش رائحة الفم، وفقًا لموقع History.
من راتنغ التنوب إلى أول علكة تجارية
تاريخ لعلكة
يمتد تاريخ مضغ المواد الصمغية من قطران البتولا قبل آلاف السنين، مرورًا بـ"التشيكل" وأول علكة تجارية، وصولًا إلى علكة الفقاعات عام 1928
مضغ السكان الأصليون في أميركا الشمالية راتنغ أشجار التنوب، وانتقلت العادة لاحقًا إلى المستوطنين الأوروبيين. وفي عام 1848، بدأ جون بيكون كورتيس بيع منتج حمل اسم "علكة التنوب النقية من ولاية مين"، ويُعد أول علكة تجارية تُنتج على نطاق منظم في الولايات المتحدة.
كان كورتيس يغلي الراتنغ ويقطعه إلى شرائح ويغطيها بنشا الذرة لمنع التصاقها. لكن علكة التنوب واجهت مشكلة أساسية؛ إذ كان مذاقها قويًا، كما كان قوامها يصبح هشًا بعد مدة من المضغ.
مصنع كورتيس للعلكة نحو عام 1900، بعد نصف قرن تقريبًا من إطلاق أول علكة تجارية منتظمة في الولايات المتحدة
جاء التحول التالي مع مادة "التشيكل". وتروي الرواية الأشهر أن الرئيس المكسيكي المنفي أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا زوّد المخترع توماس آدامز بالمادة، على أمل تحويلها إلى بديل أقل تكلفة من المطاط. فشلت التجارب الصناعية، لكن آدامز أدرك أن التشيكل يصلح لصنع علكة أكثر مرونة وأفضل قوامًا. وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، أصبحت منتجات شركته موزعة في أنحاء الولايات المتحدة.
التسويق يصنع عادة عالمية
في نهاية القرن التاسع عشر، لعب ويليام ريجلي جونيور دورًا حاسمًا في تحويل العلكة من منتج صغير إلى عادة استهلاكية واسعة.
بدأ ريجلي ببيع الصابون ثم مسحوق الخَبز، وكان يقدم العلكة هدية ترويجية للمشترين. لكن الإقبال على الهدية تجاوز الطلب على المنتج الأصلي، فقرر جعل العلكة محور عمله.
أطلق ريجلي علامتي "جوسي فروت" و"سبيرمينت" عام 1893، واعتمد حملات إعلانية ضخمة وغير مألوفة في ذلك الوقت. وفي عام 1915، أرسلت شركته عينات مجانية من العلكة إلى ملايين العناوين المدرجة في دلائل الهاتف الأميركية، في خطوة ساعدت على إدخال المنتج إلى عدد هائل من المنازل.
كيف ظهرت علكة الفقاعات؟
أما علكة الفقاعات، فلم تظهر دفعة واحدة. فقد طوّر فرانك فليير عام 1906 صيغة تسمح بنفخ الفقاعات، لكنها كانت شديدة الالتصاق ولم تصلح للتسويق الواسع. وجاء النجاح الفعلي عام 1928، عندما ابتكر موظف شركته والتر ديمر صيغة أكثر مرونة وأقل التصاقًا، طُرحت تجاريًا باسم "دابل بابل".
ماذا تحتوي قطعة العلكة؟
تختلف تركيبة العلكة بين منتج وآخر، لكن معظم الأنواع الحديثة تتكون من "قاعدة علكة" تمنحها المرونة والقدرة على الاحتفاظ بقوامها أثناء المضغ. وقد تشمل هذه القاعدة مواد مطاطية وراتنجات وشموعًا ومواد مالئة مسموحًا باستخدامها غذائيًا، فيما تبقى النسب والوصفات الدقيقة ملكية خاصة لكل شركة.
تُضاف إلى القاعدة منكّهات ومحليات ومواد مليّنة تحافظ على الرطوبة والمرونة، إلى جانب مضادات أكسدة أو مواد حافظة في بعض المنتجات. وقد تحتوي العلكة على السكر، أو على محليات غير سكرية مثل الأسبارتام، أو كحوليات السكر مثل السوربيتول والإكسيليتول.
ماذا تحتوي لعلكة
تجمع العلكة الحديثة بين قاعدة تمنحها المرونة ومحليات ومنكّهات ومواد مليّنة تحافظ على قوامها ورطوبتها
لا يصح وصف جميع المكونات بأنها آمنة بصورة مطلقة ومن دون سياق، لأن التقييمات تختلف باختلاف المادة والكمية والجهة التنظيمية. فقد حظر الاتحاد الأوروبي استخدام ثاني أكسيد التيتانيوم مضافًا غذائيًا بعد تعذّر استبعاد مخاوف مرتبطة بالسمية الجينية. أما الأسبارتام، فصنفته الوكالة الدولية لأبحاث السرطان ضمن المواد "المحتمل أن تكون مسرطنة"، استنادًا إلى أدلة محدودة، بينما أبقت لجنة الخبراء المشتركة التابعة لمنظمة الصحة العالمية على الحد اليومي المقبول البالغ 40 مليغرامًا لكل كيلوغرام من وزن الجسم.
فوائد العلكة.. هل تحسن التركيز وتخفف التوتر؟
يشير موقع "ويب مد" إلى أن فوائد العلكة تتجاوز مجرد التسلية وتصل إلى تأثيرات بيولوجية ملموسة منها تعزيز الوظائف الإدراكية، وإدارة التوتر واليقظة، وتخفيف الغثيان، والتحكم بالوزن.
وفي هذا السياق، وجدت بعض الدراسات أن مضغ العلكة قد يرفع اليقظة ويحسن سرعة الاستجابة أو الانتباه المستمر خلال بعض المهام. لكن النتائج المتعلقة بالذاكرة والتركيز ليست متسقة، كما أن حجم التأثير يبدو محدودًا ويتغير تبعًا لمدة المضغ وطبيعة المهمة والأشخاص المشاركين.
الأمر نفسه ينطبق على التوتر. فقد سجلت بعض التجارب تحسنًا في المزاج أو الشعور باليقظة، بينما لم تثبت جميع الدراسات انخفاض هرمون الكورتيزول.
وقد تخفف العلكة الخالية من السكر الإحساس بالجوع مؤقتًا لدى بعض الأشخاص، لكن الأدلة لا تكفي لاعتبارها أداة فعالة لإنقاص الوزن. فالطاقة التي يستهلكها المضغ ضئيلة، ولا تعوّض نظامًا غذائيًا متوازنًا أو النشاط البدني.
ابتُكرت علكة الفقاعات عام 1906- غيتي
يمكن النظر إلى المضغ بوصفه عادة قد تساعد بعض الأشخاص على التعامل مع الضغط، لا وسيلة علاجية مثبتة للقلق أو التوتر
الفائدة الأوضح لصحة الأسنان
تظهر الفائدة الأكثر وضوحًا عند مضغ العلكة الخالية من السكر بعد الطعام. فالمضغ يحفز إنتاج اللعاب، الذي يساعد على غسل بقايا الطعام ومعادلة الأحماض التي تنتجها بكتيريا الفم، كما يمد مينا الأسنان بالكالسيوم والفوسفات.
وتشير الجمعية الأميركية لطب الأسنان إلى أن مضغ العلكة الخالية من السكر لمدة نحو 20 دقيقة بعد الوجبات قد يساعد على تقليل خطر التسوس. لكنها لا تحل محل تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط، بل تؤدي دورًا مساعدًا عندما يتعذر تنظيف الأسنان مباشرة.
في المقابل، قد تضر العلكة المحلاة بالسكر الأسنان، لأن بكتيريا الفم تستقلب السكر وتنتج أحماضًا تهاجم طبقة المينا. لذلك لا تكفي عبارة "العلكة مفيدة للأسنان" من دون تحديد أن المقصود هو الأنواع الخالية من السكر.
وقد وجدت دراسة محدودة أن زيادة اللعاب وتكرار البلع أثناء المضغ يمكن أن يسرّعا إزالة الحمض من المريء بعد الوجبات. لكن هذا التأثير مؤقت، ولا يجعل العلكة علاجًا لارتجاع المريء أو بديلًا من الاستشارة الطبية.
متى تفيد العلكة ومتى تزعجك
قد تساعد العلكة الخالية من السكر على تحفيز اللعاب وتقليل أحماض الفم، لكن الإفراط في مضغها قد يجهد الفك ويسبب اضطرابات هضمية
متى تصبح العلكة مزعجة؟
قد يؤدي المضغ الطويل أو المتكرر إلى إجهاد عضلات الفك وزيادة الألم لدى المصابين باضطرابات المفصل الصدغي الفكي. ولا يعني ذلك أن العلكة تسبب هذه الاضطرابات بالضرورة، لكنها قد تفاقم أعراضًا موجودة لدى بعض الأشخاص.
كذلك يؤدي المضغ إلى ابتلاع كمية إضافية من الهواء، ما قد يسبب الانتفاخ والغازات. وقد يؤدي الإفراط في تناول كحوليات السكر، وخصوصًا السوربيتول، إلى تقلصات معوية أو إسهال بسبب تأثيرها الملين.
وتحتاج العلكة المحتوية على الأسبارتام إلى تنبيه خاص للمصابين ببيلة الفينيل كيتون، لأنها تحتوي على الفينيل ألانين. كما ينبغي مراعاة خطر الاختناق لدى الأطفال الصغار وعدم إعطائهم العلكة قبل امتلاكهم القدرة على مضغها بأمان.