العميد الركن ( م )
صالح الشرّاب العبادي
كاتب ومحلل شؤون سياسية وعسكرية
إذا أردنا أن نقرأ خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قراءة عسكرية، فعلينا ألا نتوقف عند الكلمات السياسية التي سمعها العالم، وإنما نسأل سؤالًا مختلفًا:
ماذا تكشف هذه الكلمات عن ساحات الحسم المحتملة؟ وأين يمكن أن تنتقل الأزمة من السياسة إلى الميدان؟
إذا ، على القادة العسكريين والسياسيين ان يكونوا مستعدين وجاهزين وينفذوا هذا الاستعداد على الارض وليس افتراضات .
من خلال قراءتي للخطاب، أرى أربع نقاط حاسمة تستحق التوقف عندها.
النقطة الأولى: التهجير الفلسطيني.
من منظور عسكري، التهجير ليس مجرد قضية إنسانية؛ إنه عملية تغيير جغرافي وديموغرافي قد تعيد رسم البيئة الأمنية في المنطقة.
إذا استمر التضييق على الفلسطينيين، والاستيلاء على الأراضي، وتوسيع المستوطنات، ودفع السكان إلى النزوح الداخلي، فإن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول النزوح الداخلي تدريجيًا إلى تهجير خارجي.
وهنا يمكن أن تبدأ أولى نقاط الصفر.
لأن إخراج الفلسطيني من أرضه لا يعني انتهاء المشكلة، وإنما نقلها إلى جغرافيا جديدة، وإلى دول جديدة، وإلى حدود جديدة.
ولهذا فإن حديث الملك عن غزة والضفة باعتبارهما وجهين لمسار واحد يحمل، في تقديري، قراءة أمنية عميقة: المعركة ليست فقط على الأرض التي يجري القتال عليها، وإنما على السكان والجغرافيا التي ستبقى بعد انتهاء القتال.
النقطة الثانية: جنوب سوريا.
وهنا تصبح المسألة أكثر ارتباطًا بالأمن الأردني المباشر.
الملك تحدث بوضوح عن توغلات إسرائيلية في جنوب سوريا، وعن توسع جغرافي وفرض وقائع جديدة، وربط ذلك بمصادر مياه حيوية، ثم قال بوضوح إن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني.
من منظور عسكري، هذه ليست مجرد ملاحظة سياسية.
عندما تتغير السيطرة على الأرض في منطقة ملاصقة للأردن، وعندما تدخل المياه في المعادلة، فإننا نتحدث عن تغيير في البيئة العملياتية المحيطة بالدولة.
وهنا يمكن أن تصبح نقطة الحسم مرتبطة ليس فقط بالحدود، وإنما بالمياه والعمق والانتشار العسكري والوقائع الجديدة التي قد تُفرض على الأرض.
النقطة الثالثة: امتداد الحرب الإقليمية إلى الأردن.
الحرب الحديثة لم تعد تعترف بالمسافات كما كانت في السابق.
الصاروخ، والطائرة المسيّرة، والجماعات المسلحة، والحرب الإلكترونية، كلها جعلت الدولة معرضة لتداعيات جبهات قد تكون خارج حدودها.
ولذلك فإن أي انتقال للتهديد من ساحات الإقليم إلى المجال الأردني، سواء بالصواريخ أو المسيّرات أو التسلل أو محاولة استخدام الأراضي أو الأجواء، يمكن أن يحول الأردن من دولة مجاورة للصراع إلى جزء من مسرح العمليات.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: هذا ليس توقعًا بوقوع هجوم، وإنما قراءة لمتطلبات الأمن الوطني في بيئة إقليمية متعددة الجبهات.
أما النقطة الرابعة، وهي التي أراها جبهة قائمة بالفعل، فهي حرب المخدرات والتهريب.
هذه ليست مجرد قضية أمنية عابرة.
الأردن يواجه محاولات تهريب وتسلل على أكثر من واجهة، وقد أعلنت القوات المسلحة خلال 2026 إحباط عمليات تهريب بطائرات مسيّرة وتسلل على الحدود الشمالية والغربية.
والأهم أن الأردن انتقل في إحدى عملياته المعلنة إلى استهداف مواقع لتجار الأسلحة والمخدرات، بما في ذلك مصانع ومعامل ومستودعات تنطلق منها عمليات التهريب، اعتمادًا على معلومات استخبارية وعملياتية.
وهنا نرى بوضوح انتقالًا من الدفاع على خط الحدود إلى العمل الاستباقي ضد مصدر التهديد.
وهذا تطور عسكري مهم.
فالمواجهة مع شبكات التهريب لا تنتهي عند القبض على المهرب؛ لأن المهرب مجرد حلقة في سلسلة أكبر: تمويل، تصنيع، تخزين، نقل، حماية، ثم إدخال إلى الأراضي الأردنية.
ولذلك فإن استمرار هذا التهديد قد يفرض مع مرور الوقت انتقالًا أكبر من حماية الحدود إلى ضرب قدرات الشبكة في العمق، وفق المعلومات الاستخبارية والقرارات السيادية والقانونية.
وهنا أعود إلى خطاب الملك.
ما أراه خلف الخطاب هو أن الأردن لا يواجه جبهة واحدة.
هناك جبهة فلسطينية، وجبهة سورية، وتهديد إقليمي عابر للحدود، وجبهة تهريب وتسلل مستمرة.
والخطر الحقيقي ليس بالضرورة أن تنفجر هذه الجبهات منفردة، وإنما أن تتزامن.
عندها يصبح التحدي عسكريًا مختلفًا تمامًا؛ لأن الدولة لا تتعامل مع حادث منفرد، وإنما مع بيئة تهديد متعددة الاتجاهات.
ولهذا كانت عبارة الملك:
«لن يشيح الأردن بنظره»
بالغة الأهمية.
أنا أقرأها عسكريًا باعتبارها تعني: المراقبة المبكرة، والجاهزية، والردع، ومنع التهديد قبل أن يتحول إلى واقع داخل الدولة اي الاستعداد التام .
فالجيش لا ينتظر دائمًا أن تصل النار إلى بيته حتى يتحرك.
والدولة التي تمتلك إنذارًا مبكرًا حقيقيًا تحاول أن توقف التهديد عند أقرب نقطة ممكنة من مصدره.
ولهذا فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة اندلاع حرب شاملة.
الأخطر هو تراكم الوقائع: تهجير، تغيير جغرافي، تمدد عسكري، تهديد مائي، صواريخ أو مسيّرات، تهريب وتسلل… ثم تتقاطع هذه الملفات في لحظة واحدة.
عندها قد تنتقل المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة فرض معادلات جديدة بالقوة.
ومن هنا أفهم خطاب الملك: إنه ليس إعلانًا عن حرب، لكنه بالتأكيد إنذار استراتيجي مبكر.
وعندما ينذر رأس الدولة ، فعلى القادة الاستعداد والاستعداد..
الأردن اختار الدبلوماسية، لكنه يقرأ الميدان.
اختار السلام، لكنه يراقب مصادر التهديد.
ولا يريد المواجهة، لكنه لا يريد أن يُفاجأ بها.
وفي الحسابات العسكرية، أخطر لحظة ليست عندما تبدأ المعركة… بل عندما تدرك الدولة أن المعركة كانت تتشكل أمامها منذ وقت طويل ولم يلتفت إليها أحد.
وهذا تحديدًا هو معنى الرسالة التي أقرأها خلف خطاب الملك:
الأردن لن ينتظر نقطة الصفر حتى يعرف أين تقع.