العجوري .. ثلاثة عقود يحول فيها الخيط إلى لوحات تحفظ التراث

mainThumb
العجوري.. ثلاثة عقود يحول فيها الخيط إلى لوحات تحفظ التراث

26-09-2026 11:21 AM

printIcon

صابرين الطعيمات
أخبار اليوم - لا تبدو الطارة التي يمسك بها الخمسيني أيمن العجوري مجرد إطار خشبي يحمل قطعة قماش، بل تتحول بين يديه إلى مساحة للرسم والكتابة والتوثيق واستعادة تفاصيل من التراث والثقافة، في حرفة يدوية قديمة ورثها وتعلمها وطوّر أدواتها على مدى نحو ثلاثة عقود، حتى أصبح قادرا على تحويل الخيط إلى لوحات فنية وملابس تراثية وتصاميم تستحضر ثقافات وحضارات وحقبا زمنية مختلفة.


منذ سنواته الأولى، كان العجوري يميل إلى الرسم والكتابة، وخصوصا الخط العربي، قبل أن تتحول هذه الهواية إلى مدخل لحرفة أكثر دقة وتعقيدا. ومع استمرار التدريب والتعلم والممارسة، بدأ يطور قدراته في الرسم والكتابة على القماش، ثم انتقل إلى التطريز على الطارة، وأخذ يوسع نطاق أعماله من القطع البسيطة إلى الوشاحات والطواقي والألبسة والملابس التراثية والقفاطين، وصولا إلى لوحات فنية مطرزة تحمل كتابات ورسومات وتفاصيل مستوحاة من ثقافات متعددة.

ويحتاج العمل على الطارة إلى مهارة وصبر ودقة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تثبيت الخيط في القماش، وإنما بتحويل فكرة أو رسم أو كتابة إلى خطوط وتفاصيل مطرزة، مع المحافظة على تناسق الألوان والأشكال والمسافات، وصولا إلى عمل فني يمكن عرضه كلوحة أو ارتداؤه كقطعة من الملابس أو استخدامه في مناسبات مختلفة.

ويتعامل العجوري مع التطريز باعتباره فنا قابلا للتطور، وليس حرفة جامدة مرتبطة بنموذج واحد. ولذلك يعمل على تصاميم تستحضر ملابس تراثية مرتبطة بثقافات مختلفة، كما يستلهم نماذج من حضارات وحقب زمنية متعددة، ويستخدم التطريز على الأوشحة والطواقي والقطع المختلفة، إلى جانب اللوحات الفنية التي تتضمن الكتابة العربية والرسومات.

العجوري لا يمتلك مشغلا مجهزا يستطيع من خلاله ممارسة عمله بصورة دائمة، ولهذا يتنقل بين معامل ومشاغل في محافظات مختلفة لإنجاز أعماله، في رحلة تفرض عليه كلفة ووقتا وجهدا إضافيا، وتحد من قدرته على تنظيم عمله والإنتاج بصورة مستقرة.

ويقول إن امتلاك مشغل مناسب لم يعد بالنسبة إليه مجرد مطلب شخصي، وإنما أصبح ضرورة حتى يتمكن من تطوير الحرفة نفسها، واستقبال المتدربين، وإنتاج أعمال بصورة منتظمة، وفتح المجال أمام الشباب والفتيات لتعلم هذه المهنة التي يرى أنها مهددة بالاندثار.

فالمشكلة، في نظره، لا تتمثل فقط في الظروف التي يعمل فيها حاليا، وإنما في مستقبل الحرفة نفسها، خصوصا مع محدودية أعداد العاملين فيها، وتراجع انتشارها.

وهنا تتجاوز تجربة العجوري حدود قصة نجاح فردية، لتتحول إلى قضية مرتبطة بحماية مهنة قديمة من الاختفاء. فالحرف اليدوية لا تبقى حية لمجرد أن هناك عددا من الأشخاص يتقنونها، وإنما تستمر عندما تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر، ويجد المتدربون فرصة للتعلم والممارسة والإنتاج، ويجد الحرفي سوقا يستطيع من خلالها بيع ما ينتجه وتحقيق عائد يشجعه على الاستمرار.

ومن هذا المنطلق، يرى العجوري أن إنشاء مشغل تعليمي إنتاجي يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في تجربته وفي مستقبل الحرفة، بحيث لا يكون المشغل مجرد مكان للإنتاج، وإنما مساحة تجمع بين التدريب والتعليم والتطبيق والتطوير والتسويق.

فالمتدرب، في مثل هذا المشغل، لن يكتفي بتعلم الغرز والخطوات الأساسية للتطريز، وإنما يمكن أن ينتقل تدريجيا من مرحلة التعلم إلى الإنتاج، ثم إلى تطوير التصميم وإنجاز قطع قابلة للبيع، بما يحول التدريب من نشاط مؤقت إلى مسار مهني حقيقي.

ويعتقد العجوري أن وجود مثل هذا المشغل يمكن أن يفتح الباب أمام شباب وشابات يرغبون في تعلم مهنة جديدة، خصوصا أن العمل اليدوي يمكن أن يشكل بالنسبة لبعضهم فرصة لإنشاء مشاريع صغيرة أو العمل ضمن ورش إنتاجية، بدلا من أن تبقى الحرفة محصورة في عدد محدود من الأشخاص.

ولا يقتصر طموح العجوري على نقل الأساليب التقليدية للتطريز، بل يسعى إلى تطويرها وإدخال أفكار جديدة عليها، وهو ما يظهر في أعماله التي تجمع بين الخط العربي والرسم والتطريز، وبين الملابس التراثية والتصاميم الحديثة.

ومن أبرز الأعمال التي يعمل عليها حاليا جدارية فنية كبيرة، يسعى من خلالها إلى توظيف قطع قديمة وإعادة تدويرها ضمن عمل فني واسع، يضم نماذج وتفاصيل مستوحاة من الفنون المنتشرة في الوطن العربي.

وتحمل الجدارية جانبا فنيا وبيئيا في الوقت نفسه، إذ لا يتعامل العجوري مع القطع القديمة باعتبارها مواد انتهى دورها، وإنما يحاول إعادة توظيفها داخل عمل جديد، لتتحول أجزاء كانت معرضة للتخلص منها إلى مكونات في لوحة فنية كبيرة.

ويمثل هذا العمل جانبا من فلسفته في تطوير الحرفة؛ فالتطريز بالنسبة إليه يمكن أن يتقاطع مع الرسم والخط العربي وإعادة التدوير والملابس التراثية والفن التشكيلي، بما يوسع مجالات استخدامه ويمنحه فرصا جديدة للوصول إلى الجمهور.

ويشارك العجوري في المعارض والبازارات عندما تتوفر الفرصة، إلا أنه يرى أن هذه الفعاليات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن وجود سوق دائم ومستقر للحرف اليدوية.

فالبازار أو المهرجان يقام في فترة محددة وينتهي، بينما يحتاج الحرفي إلى مكان يستطيع من خلاله عرض أعماله على مدار العام، والوصول إلى الزبائن والتعريف بمنتجاته واستقبال الطلبات وتنفيذها.

ويذهب إلى أن أهمية توفير جهة أو برنامج يساعد الحرفيين على التسويق يمكن أن تغير كثيرا من واقع المهن اليدوية، لأن المشكلة في كثير من الحالات ليست في جودة المنتج، وإنما في عدم وصوله إلى الجمهور.

ويؤكد أن الحرفة اليدوية تحتاج إلى منظومة متكاملة: تدريب، ومشغل، ومواد وأدوات، وإنتاج، وتسويق، ومنافذ بيع، ومشاركة مستمرة في المعارض والفعاليات.

أما الاكتفاء بتدريب الحرفي دون توفير السوق، أو تنظيم بازار بين فترة وأخرى دون بناء قناة دائمة للبيع، فيبقي الحرفي أمام المشكلة نفسها بعد انتهاء الفعالية.

ويعتبر العجوري أن زيادة عدد المعارض والبازارات والفعاليات المتخصصة بالحرف اليدوية خطوة مهمة، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى استمرارية وتنوع في الأماكن والأسواق، بحيث يستطيع الحرفيون عرض منتجاتهم أمام جمهور مختلف.

كما يرى أن المؤسسات المعنية بالحرف والتراث والشباب والمرأة يمكن أن يكون لها دور في إنشاء مشاغل تدريبية إنتاجية، تستضيف أصحاب الخبرة وتتيح لهم نقل مهاراتهم إلى الجيل الجديد.

فالحرفي صاحب الخبرة الطويلة، بحسب العجوري، يمكن أن يتحول من منتج فردي إلى مدرب ومشرف على جيل جديد من الحرفيين، إذا توفرت له المساحة والأدوات والدعم.

ويؤكد أن المتدرب يحتاج إلى ممارسة فعلية، وليس مجرد دورة نظرية، ولذلك يأتي مقترح المشغل التعليمي الإنتاجي ليجمع بين التعلم والعمل؛ يبدأ المتدرب بالتعرف إلى الأدوات والخامات، ثم يتعلم الغرز وأساليب الرسم والتطريز، وبعدها ينتقل إلى تنفيذ قطع حقيقية يمكن تطويرها وتسويقها.

وبهذه الطريقة يمكن أن تتحول المهنة من حرفة معرضة للاندثار إلى مجال قابل للتجدد، خصوصا إذا تم ربطها بالتصميم الحديث والتسويق الإلكتروني والأسواق المحلية والسياحية.

وتكتسب تجربة العجوري أهمية خاصة لأنها تظهر أن الحرفة التراثية ليست بالضرورة أسيرة الماضي؛ فمن الممكن أن تبدأ من مهارة قديمة على الطارة، ثم تتطور لتصبح لوحات فنية وملابس ووشاحات وتصاميم معاصرة، بل وأعمالا كبيرة تستخدم مواد قديمة يُعاد تدويرها ضمن رؤية فنية جديدة.

وينوه إلى أهمية إدخال الحرفة إلى المدارس والأندية والمراكز الشبابية والجمعيات، إذ يمكن أن يوسع ذلك قاعدة المهتمين بها، خصوصا إذا تم تقديمها بطريقة حديثة تربط بين التراث والإبداع والتصميم المعاصر.

ويحتاج الحرفي كذلك إلى فرصة للمشاركة في فعاليات خارج المحافظة، بما يتيح له الوصول إلى أسواق جديدة، والتعرف إلى اتجاهات التصميم، وبناء علاقات مع المشترين والمهتمين بالحرف اليدوية.

أيمن العجوري، الذي بدأ من هواية الرسم والكتابة والخط العربي، أمضى قرابة ثلاثة عقود في تطوير مهارته حتى أصبحت الطارة أداته للرسم والتطريز وصناعة اللوحات والملابس والأعمال التراثية. واليوم، لا يطلب فقط أن يجد مكانا يبيع فيه منتجاته، بل يريد أن يجد مكانا يعلم فيه الآخرين كيف يصنعونها.

وبين الماضي الذي ورث منه العجوري هذه الحرفة، والحاضر الذي يحاول فيه تطويرها، يقف المستقبل باعتباره التحدي الأكبر: هل تبقى الطارة في يد عدد محدود من الحرفيين، أم تنتقل مهاراتها إلى جيل جديد يستطيع أن يحملها ويطورها ويمنحها حياة جديدة؟

العجوري اختار أن يدافع عن الخيار الثاني، وما يحتاجه اليوم هو المساحة التي تمكنه من تحويل خبرته الفردية إلى مدرسة صغيرة لهذه الحرفة، تحفظ ما تعلمه على مدى ثلاثين عاما، وتفتح الطريق أمام شباب وشابات ليتعلموا مهنة قديمة، لكنها قابلة لأن تكون جزءا من سوق العمل والإبداع إذا وجدت من يساندها.