سهم محمد العبادي
في الحكاية القديمة كان علي بابا يقف أمام الصخرة ويقول: «افتح يا سمسم»، فينفتح باب المغارة وتظهر الكنوز. كانت كلمة السر واضحة ومختصرة، لا تحتاج إلى موعد مسبق، ولا مدير مكتب، ولا سكرتير يسألك عن سبب الزيارة، ولا هاتف يرن عشرين مرة ثم يقرر صاحبه أن الصمت جزء من الهيبة الوظيفية.
مرت السنوات، وتغيرت المغارات وبقيت الأبواب. المواطن الأردني الذي يريد الوصول إلى مسؤول جرّب كل أنواع المفاتيح؛ كتب مناشدة، وأرسل رسالة، واتصل بالمكتب، وطلب موعداً، واستعان بصديق يعرف صديقاً يعرف ابن عم شخص شاهد المسؤول مرة في مناسبة عامة. وقد تنتهي الرحلة كلها بعبارة خالدة: «اترك رقمك وبنتواصل معك»، وهي جملة عربية فصيحة معناها الإداري أن تعود إلى بيتك وتنسى الموضوع.
لكن عام 2026 حمل معه اكتشافاً يستحق أن يعيد علماء الإدارة العامة النظر في مؤلفاتهم كلها. لم تعد بحاجة إلى «افتح يا سمسم»، ولا إلى واسطة من الوزن الثقيل. ظهرت الوصفة السحرية الجديدة: دامر عربي و«الله هيووووووو».
عزيزي الأردني، إذا كانت لديك معاملة متوقفة، أو مطلب تبحث عمن يسمعه، أو قضية استهلكت حذاءك بين المكاتب، فلا تتعب نفسك كثيراً. اذهب إلى أقرب خياط واطلب منه دامراً عربياً من النوع الذي كان يرتديه الشيوخ والوجهاء، يوم كان للدامر حضوره ولصاحبه مكانته، وكانت المقاعد تبقى فارغة حتى يأتي أصحابها فيملأونها. ارتده، قف أمام كاميرا الهاتف، واضبط نبرة الصوت جيداً، ثم أطلقها من أعماقك: «الله هيو، الله هيو، الله هيووووووو».
بعدها قد تتغير حياتك الإدارية بالكامل. قد تجد مسؤولاً يريد لقاءك، وآخر يريد السلام عليك، وثالثاً يدعوك إلى القهوة، ورابعاً يقترب منك لالتقاط صورة تذكارية، وخامساً يضع يده على كتفك أمام الكاميرات بطريقة تجعلك تشك للحظة أنكما كنتما زميلي مقعد منذ الصف الأول الابتدائي.
المفارقة أن المواطن الذي ظل أشهراً يبحث عن المسؤول قد يكتشف فجأة أن المسؤول أصبح يبحث عنه. والذي كان يتمنى خمس دقائق لشرح قضيته قد تصبح لديه جلسة وقهوة وصورة، وقد تتحرك معاملته التي كانت تعيش حياة مستقرة وآمنة داخل أحد الأدراج منذ زمن طويل.
وهنا نفهم أن المشكلة ربما لم تكن في الأبواب، وإنما في كلمة السر. نحن بقينا سنوات نطرق الباب بطريقة تقليدية، بينما كان المطلوب تحديث أدواتنا فقط. انتهى زمن «افتح يا سمسم»، ودخلنا عصر «الله هيووووووو».
ولهذا أقترح أن يصبح الدامر العربي جزءاً من مستلزمات كل بيت أردني. بجانب طفاية الحريق وصندوق الإسعافات الأولية، يجب أن يكون هناك دامر للطوارئ الإدارية، لأنك لا تعرف متى تتعطل لك معاملة، أو تحتاج إلى مسؤول، أو يصبح من الضروري أن تتحول خلال دقائق من مواطن ينتظر على الباب إلى شخصية يريد الواقفون خلف الباب التقاط الصور معها.
ولا يكفي شراء الدامر وحده، فالمسألة تحتاج إلى تدريب. قف أمام المرآة وتدرّب جيداً على «الله هيو». لا تقلها بخجل، فالمعاملات لا تتحرك بالخجل. أعطِ حرف الواو حقه كاملاً، فكلما طال «الهيووووو» قصرت، على ما يبدو، المسافة بين المواطن والمسؤول.
هكذا تطورت الواسطة في بلادنا تطوراً مذهلاً؛ كانت تحتاج إلى شخص يعرف مسؤولاً، ثم أصبح بإمكان الدامر أن يقوم بالمهمة. وقد يأتي يوم يدخل فيه المواطن إلى دائرة حكومية فيسأله الموظف قبل رقم المعاملة: معك دامر، أم نفتح لك ملف مناشدة؟
لكن كل هذه الوصفة صالحة للحياة الدنيا فقط. هناك يوم لن تنفع فيه المناصب، ولا الصور، ولا المواعيد، ولا مدير المكتب، ولا الدامر، ولا عدد الذين طلبوا التقاط صورة معك. يومها تسقط كل كلمات السر التي اخترعناها لفتح أبواب البشر، ويبقى باب واحد لا يحتاج إلى واسطة.
هناك سنقول جميعاً: يا الله هيو.