أخبار اليوم- محرر شؤون التعليمية - في الجامعات يمكن للأرقام أن تقدم مؤشرات، وللتصنيفات أن تحدد مواقع، وللاعتمادات الأكاديمية أن تثبت استيفاء معايير الجودة، غير أن المعيار الأكبر لأي جامعة يبقى في مخرجاتها؛ في الإنسان الذي دخل إليها طالبًا وخرج منها خريجًا، ثم مضى إلى سوق العمل ليضع ما تعلمه أمام الاختبار الحقيقي، ويحوّل المعرفة إلى مهنة، والتخصص إلى إنجاز، والشهادة إلى موقع ومسؤولية وأثر.
ومن هنا تكتسب المبادرة التي أطلقتها جامعة العلوم التطبيقية الخاصة لتكريم نخبة من خريجيها، تحت رعاية رئيس مجلس الإدارة الحاجة أم هيثم، معنى مختلفًا يتجاوز فكرة إقامة حفل للخريجين. فهذه المبادرة، الأولى من نوعها على مستوى الأردن والمنطقة العربية، تعيد الخريج إلى جامعته بعد سنوات من مغادرته مقاعد الدراسة، لا للاحتفاء بالشهادة التي حصل عليها يوم التخرج، وإنما بما صنعه بهذه الشهادة بعد ذلك، وأين وصل، وماذا أنجز، وما الموقع الذي أصبح يشغله في وطنه أو خارجه.
وهنا تحديدًا تظهر صورة أم هيثم، الأم التي تابعت أبناء الجامعة وهم يدخلونها طلبة، ثم أرادت أن تعرف أين أصبح هؤلاء الأبناء بعد أن أنهوا مرحلة البكالوريوس وكبروا في الحياة والمهنة، فالأم لا تنتهي علاقتها بابنها عندما يغادر البيت، والجامعة التي تؤمن بأن خريجيها أبناؤها لا يفترض أن تنتهي علاقتها بهم عندما يعبرون بوابة التخرج. ولهذا جمعت العلوم التطبيقية في المرحلة الأولى أكثر من 50 من خريجيها مع أسرهم وقيادات الجامعة الأكاديمية والإدارية، لكنهم هذه المرة عادوا إليها بأسماء صنعت حضورها في مواقع العمل والإنجاز.
بين هؤلاء مديرو شركات وأطباء وصيادلة ومهندسون ومحاسبون وإعلاميون ومحامون وقضاة وسياسيون ومتخصصون في حقول علمية ومهنية متعددة، ووصل عدد منهم إلى مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص داخل الأردن، وإلى مواقع مهنية وإدارية وعلمية خارج المملكة عربيًا ودوليًا. وهؤلاء، في حقيقة الأمر، يمثلون اليوم واحدة من أهم صفحات السجل الأكاديمي للجامعة، لأن المخرجات عندما تنجح في امتحان سوق العمل تصبح شهادة عملية على جودة المؤسسة التي أسهمت في تكوينها.
ولهذا فإن الحديث في هذا اليوم لا يدور عن طلاب، وإنما عن مخرجات. والمخرجات هي المعيار الأكبر والأكثر صدقًا في قراءة الجامعة؛ فالمباني يمكن تطويرها، والبرامج يمكن زيادتها، والمختبرات يمكن تحديثها، والتصنيفات يمكن أن تتغير مواقعها من عام إلى آخر، أما قدرة الجامعة على تقديم خريج يمتلك المعرفة والمهارة ويستطيع المنافسة والوصول إلى مواقع متقدمة، فهي النتيجة التي تجتمع عندها كل عناصر العملية التعليمية.
وحين تكون الجامعة حاضرة في مقدمة التصنيفات الأكاديمية محليًا وعربيًا ودوليًا، فإن قوة هذا الحضور تكتسب معناها الأكبر عندما تقرأ إلى جانبها مسيرة خريجيها. فالتصنيف يقدم رقمًا وموقعًا وفق مجموعة من المؤشرات، بينما يقدم الخريج دليلًا حيًا على قدرة الجامعة على تحويل برامجها وخططها وكوادرها ومختبراتها وبيئتها الأكاديمية إلى رأس مال بشري يعمل وينتج ويتقدم ويتولى المسؤولية.
من هنا تبدو مبادرة أم هيثم أبعد من حفل تكريم. إنها محاولة لقراءة الجامعة من خلال أبنائها بعد التخرج، والعودة إلى السؤال الذي يجب أن يكون حاضرًا أمام كل مؤسسة تعليم عالٍ: ماذا حدث للطالب بعد أن منحناه شهادة البكالوريوس؟ هل وجد مكانه في سوق العمل؟ هل تطور مهنيًا؟ هل أصبح قادرًا على القيادة واتخاذ القرار؟ هل استطاع المنافسة خارج الأردن؟ وهل تحولت السنوات التي أمضاها في الجامعة إلى قيمة حقيقية في حياته وفي المؤسسة التي يعمل فيها وفي المجتمع؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل متابعة الخريجين جزءًا أصيلًا من تقييم جودة التعليم، وتجعل «أثر الخريجين» واحدًا من أهم المؤشرات التي تستطيع الجامعة من خلالها أن ترى نفسها خارج أسوارها. فخريج الطب يأخذ اسم جامعته معه إلى المستشفى، والمهندس إلى المشروع، والصيدلي إلى القطاع الدوائي، والمحامي والقاضي إلى فضاء العدالة، والمحاسب إلى عالم الأعمال، والإعلامي إلى المجال العام، والمدير إلى المؤسسة، والسياسي إلى موقع المسؤولية. وكل واحد منهم يقدم، من حيث يدري أو لا يدري، صورة عن البيئة الأكاديمية التي خرج منها.
الدكتور هيثم عبدالله أبو خديجة، نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة، أكد خلال الحفل أن الاستثمار في التعليم يقاس بما يتركه في شخصية الطالب ومسيرته وموقعه في الحياة العملية، وأن مسؤولية الجامعة تمتد إلى بناء الإنسان وتعزيز القيم وتأهيل الطالب ليكون قادرًا على توظيف علمه ومهاراته في خدمة نفسه ومجتمعه. وفي حديثه كان إرث الحاج عبدالله أبو خديجة، رحمه الله، حاضرًا باعتباره رؤية قامت على أن التعليم رسالة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، وأن القيمة الحقيقية للمعرفة تظهر عندما يستطيع الطالب تحويلها إلى مهارة وإضافة وإنجاز.
وبين إرث الحاج عبدالله أبو خديجة ورعاية أم هيثم لهذا اللقاء، تكتمل صورة مؤسسة بدأت فكرتها بالاستثمار في الإنسان، ثم عادت بعد سنوات لتبحث عن هذا الإنسان نفسه في مواقع العمل لترى ماذا صنع. وهنا يصبح التكريم نوعًا من الوفاء المتبادل؛ الجامعة تقول لخريجها إنها ما زالت تتابعه وتعتز به، والخريج يعود إليها حاملًا نتيجة السنوات التي فصلت بين مقعد الدراسة والموقع الذي وصل إليه.
وللمبادرة قيمة أخرى داخل الجامعة نفسها، فالطالب الموجود اليوم على مقاعد الدراسة عندما يرى أمامه خريجًا جلس يومًا في القاعة ذاتها، ثم أصبح طبيبًا أو مهندسًا أو صيدليًا أو محاميًا أو قاضيًا أو إعلاميًا أو مديرًا أو صاحب موقع متقدم، فإنه لا يسمع حديثًا نظريًا عن المستقبل، وإنما يرى نموذجًا حيًا لما يمكن أن يصنعه التعليم والعمل والاجتهاد. وهنا تتحول قصة الخريج من ذكرى جامعية إلى جزء من العملية التعليمية، وتصبح تجربته رسالة مباشرة للجيل الذي يأتي بعده.
كما أن إعادة الخريجين إلى جامعتهم تفتح بابًا أكثر أهمية من التكريم نفسه؛ فهؤلاء أصبحوا داخل سوق العمل، ويعرفون بصورة مباشرة ماذا تحتاج المهن، وما المهارات التي أصبحت مطلوبة، وأين توجد الفجوات بين الدراسة والتطبيق، وكيف غيرت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية شكل الوظائف. والاستماع إليهم يمنح الجامعة تغذية راجعة من الميدان تستطيع أن تستخدمها في تطوير البرامج والخطط والمخرجات المقبلة.
وإعلان الدكتور هيثم أبو خديجة أن تكريم الخريجين المتميزين سيكون مبادرة دورية تقام في كل فصل يمنح الفكرة بعدًا مؤسسيًا مستمرًا؛ فالمطلوب هنا لا يتوقف عند جمع مجموعة من الخريجين مرة واحدة، وإنما بناء علاقة تتابع أبناء الجامعة جيلًا بعد جيل، وتوثق أين وصلوا، وتستفيد من تجاربهم، وتضع قصص نجاحهم أمام الطلبة الذين ما زالوا في بداية الطريق.
ولهذا فإن المبادرة الأولى من نوعها على مستوى الأردن والمنطقة العربية يمكن أن تؤسس لمفهوم مختلف في علاقة الجامعات بخريجيها، أن يبقى الخريج جزءًا من الجامعة بعد البكالوريوس، وأن تصبح مسيرته المهنية جزءًا من قراءة أدائها، وأن تكون المخرجات في صدارة الحديث عن الجودة والتميز والتصنيف.
فالجامعة تستطيع أن تتحدث عن نفسها بالأرقام والاعتمادات والتصنيفات والأبحاث، وهذه كلها عناصر مهمة، لكن هناك حديثًا آخر يصعب أن ينافسه أي مؤشر: أن يجلس أمامها أبناؤها بعد سنوات، وقد أصبح بينهم الطبيب والصيدلي والمهندس والقاضي والمحامي والمحاسب والإعلامي والسياسي ومدير المؤسسة وصاحب القرار، وأن تستطيع أن تقول إن هؤلاء دخلوا من هذه الأبواب طلبة وخرجوا منها إلى هذه المواقع.
لهذا كانت صورة أم هيثم وهي ترعى تكريم خريجي العلوم التطبيقية صورة تحمل معنى يتجاوز المناسبة؛ أم تجمع أبناءها بعد أن كبروا، وتسأل عنهم بعد أن غادروا، وتفرح بما وصلوا إليه، وتعيدهم إلى البيت الذي بدأت منه رحلتهم العلمية. دخلوا إلى العلوم التطبيقية قبل سنوات يحملون أحلامهم، وعادوا إليها اليوم يحملون إنجازاتهم ومسؤولياتهم وتجاربهم، في مشهد يؤكد أن أعظم شهادة تحصل عليها جامعة هي أن تتحدث مخرجاتها عنها بما وصلت إليه من مواقع وما تحملته من مسؤوليات وما صنعته من أثر بعد البكالوريوس. وهذه هي الحكاية التي تستحق التكريم، وهي امتداد لمسيرة الحاج عبدالله أبو خديجة، رحمه الله، باني هذه المنارة التعليمية الوطنية التي أصبحت صرحًا أردنيًا وحضورًا تعليميًا على مستوى العالم.