في عيد ميلادها .. الملكة رانيا والأثر الذي يبقى

mainThumb
في عيد ميلادها.. الملكة رانيا والأثر الذي يبقى

31-08-2026 10:48 AM

printIcon


سهم محمد العبادي

في آخر آب، وفي عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، لا أجدني أذهب إلى الأرقام ولا إلى تعداد السنوات، وإنما أذهب إلى الأردن؛ إلى مدرسة في قرية، ومعلمة وقفت عمرها أمام السبورة، وطالب حمل كتابه وحلمه معًا، وإلى أم أردنية استقبلت الملكة في بيتها كما يستقبل الأردني ضيفه، وإلى شباب وشابات جلسوا معها ذات يوم يحدثونها عن أحلامهم. هناك، بين هذه التفاصيل، يمكن أن نقرأ حكاية جلالتها، وهناك أيضًا يمكن أن نفهم معنى الأثر.

نحن الأردنيين لا نحتاج إلى من يحدثنا عن الملكة رانيا كأننا نلتقي بها للمرة الأولى. أم الحسين دوما بيننا، عرفناها إلى جانب سيدنا جلالة الملك عبدالله الثاني، ورأيناها في مدارسنا وجامعاتنا وقرانا وبوادينا ومخيماتنا، وبين أمهاتنا وبناتنا وشبابنا. واليوم نراها جدة تحيط بها حفيداتها، فنكتشف أن العمر الذي مضى من سنواتها مضى من أعمارنا نحن أيضًا، وأن كثيرًا من صورها القديمة أصبحت، بطريقة ما، صورًا من أيامنا نحن.

ولأن الأردن يعرف قيمة العلم، كان التعليم واحدًا من أوضح عناوين مسيرة الملكة رانيا. من جائزة الملكة رانيا للتميز التربوي إلى «مدرستي»، ومن أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين إلى مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، كان الرهان على الإنسان الأردني؛ على المعلم الذي يدخل صفه كل صباح، وعلى الطالب الذي يجلس أمامه، وعلى مدرسة في قرية قد تكون نافذتها الوحيدة لطفل يريد أن يرى عالمًا أكبر.

غير أنني حين أعود إلى هذه السنوات لا أتذكر أسماء المؤسسات وحدها، فالذاكرة لها حساب آخر. أتذكر صورة الملكة بين أطفال مدرسة، ومعلمة تتحدث إليها عن طلبتها، وسيدة أردنية تقدم لها القهوة من دلال العز، وأمًا تستقبلها في بيتها، وفتاة تخبرها عن حلم، وشابًا يعرض مشروعًا بدأه بإمكانات قليلة. هذه الأشياء تبدو صغيرة أمام لغة الأرقام والتقارير، لكنها عند الناس كبيرة، لأن الأردني قد ينسى تاريخ الزيارة، لكنه لا ينسى من دخل بيته، ولا من صافحه، ولا من جلس إليه وسمع حكايته، ولا من ترك عنده الأثر.

ومن عمان إلى البلقاء وإربد والكرك والطفيلة ومعان والعقبة، ومن جرش وعجلون والمفرق ومادبا والزرقاء إلى الأغوار والبادية والمخيمات، كانت للملكة رانيا خطوات في المكان الأردني تصنع الأثر. وفي كل مكان كانت هناك حكاية مختلفة، فيما بقي الإنسان هو العنوان؛ معلم، طالب، امرأة، شاب، طفل، صاحب مشروع أو أسرة تريد لأبنائها غدًا أفضل. وحين خرج صوت جلالتها إلى العالم، خرج معه شيء من الأردن؛ من قضاياه وصورته وموقفه، ومن فلسطين التي بقيت في وجدان الأردنيين والهاشميين قضية لا تتغير بتغير الأيام.

وللمرأة الأردنية حكاية خاصة مع الملكة رانيا. نساء المدن والقرى والبادية، المعلمات والحرفيات وصاحبات المشاريع والأمهات والفتيات؛ وجوه كثيرة مرت في هذه المسيرة. وربما كانت قيمة تلك اللقاءات أنها قالت للمرأة الأردنية بالفعل قبل القول إن مكانها في التعليم والعمل والإنتاج وصناعة مستقبل أسرتها ووطنها مكان أصيل لا هامشي.

ومرت السنوات، وكبر أبناؤنا، وتخرج طلبة كانوا يومًا على مقاعد المدارس، وغادر معلمون صفوفهم بعد عمر من الخدمة، ودخلت أجيال جديدة الجامعات، وتغيرت عمان ومدننا وقرانا، وأصبحت الملكة رانيا جدة تحيط بها حفيداتها. وحين نضع صورة قديمة إلى جانب صورة اليوم، ندرك أن الزمن مر علينا جميعًا. نتذكر أين كنا يومها، ومن كان معنا، ومن غاب، ومن كبر، ونفهم أن الصور أحيانًا تحفظ أعمار الناس أكثر مما تحفظها التواريخ.

ولهذا اخترت «الأثر» اسمًا للوثائقي الذي أعمل عليه عن جلالة الملكة رانيا العبدالله. فالمنصب له زمن، والمناسبة لها يوم، والصورة لها لحظة، أما الأثر فله عمر آخر. أثر تجده في مدرسة ومعلم وطالب، وفي امرأة فتحت مشروعها، وشاب وجد فرصة، وقرية زارتها الملكة يومًا وما زال أهلها يتذكرون تلك الزيارة. فالأوطان تحفظ ما يُفعل من أجل ناسها، والناس تحفظ من اقترب منها وسمعها وترك في حياتها شيئًا يستحق أن يُروى.

وفي عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، أتقدم إلى جلالتها بأصدق التهاني وأطيب الأمنيات، وأسأل الله أن يحفظها ويمد في عمرها، ويديم عليها الصحة والعافية والسعادة، وأن تبقى سندًا ورفيقة درب لسيدنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسندًا لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، وبين أبنائها وحفيداتها، وأن يحفظ الله جلالة الملك وسمو ولي العهد والعائلة الهاشمية، ويحفظ الأردن وأهله، ويبقي هذا الوطن عزيزًا آمنًا كما عرفناه وكما نريده لأبنائنا.

كل عام وجلالة الملكة رانيا العبدالله بألف خير، وعمر مديد من العطاء، وحفظ الله الأردن وقيادته وأهله.

أما الأثر... فهو ما يبقى حين تمضي السنوات.