أحزاب على صفيح ساخن .. من المشروع الوطني إلى شركات سياسية خاصة

mainThumb
أحزاب على صفيح ساخن.. من المشروع الوطني إلى شركات سياسية خاصة

30-08-2026 12:55 PM

printIcon

أخبار اليوم ـ سهم محمد العبادي ـ كان يفترض أن تكون التجربة الحزبية الجديدة في الأردن واحدة من أهم بوابات الانتقال نحو حياة سياسية أكثر نضجًا، وأن تشكل الأحزاب الحاضنة الطبيعية لمشروع سياسي واقتصادي واجتماعي قادر على إنتاج قيادات جديدة، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والعمل العام. لكن ما يجري داخل بعض الأحزاب اليوم يضع التجربة أمام اختبار مختلف تمامًا، وربما أكثر صعوبة مما كان متوقعًا.

المشكلة لم تعد في عدد الأحزاب ولا في قدرتها على عقد المؤتمرات وإصدار البيانات ورفع الشعارات الوطنية، وإنما في السؤال الأهم: ماذا يحدث داخل هذه الأحزاب؟ وكيف تدار؟ ومن يقرر؟ ولمصلحة من تتحرك؟

المتابع للمشهد يستطيع أن يلحظ أن بعض الأحزاب بدأت تتصرف وكأنها شركات سياسية خاصة، لها رئيس مجلس إدارة ودائرة ضيقة من المنتفعين، فيما تحول النقاش من البرامج والأفكار إلى المناصب والمكاسب: من سيصبح وزيرًا؟ ومن سيحصل على موقع؟ ومن سيدخل مجلس الأعيان؟ ومن سيكون مرشح الحزب في الموقع القادم؟

عندما تصل التجربة إلى هذه المرحلة، يصبح الخطر أكبر من خلاف داخلي على منصب. نحن أمام تشويه لفكرة الحزبية نفسها، لأن المواطن الذي دُعي إلى الانخراط في الأحزاب على أساس أنها الطريق إلى المشاركة في صناعة القرار، قد يجد أمامه نسخة أخرى من السياسة التقليدية، تغيرت أسماؤها وبقيت أدواتها كما هي.

والاستقالات التي تظهر بين حين وآخر داخل بعض الأحزاب تستحق التوقف عندها بعيدًا عن التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات تنظيمية عابرة. لماذا يستقيل حزبيون بعد فترة قصيرة من الانضمام؟ وهل نحن أمام حالة كفر بالحزبية وفقدان للثقة بجدوى العمل الحزبي؟ أم أن بعض المستقيلين اكتشفوا أن التجربة داخل الحزب مختلفة عما قُدم لهم عند الانضمام؟ أم أن الأمر يرتبط في حالات أخرى بصراع على المناصب والمكتسبات، بحيث يصبح البقاء في الحزب مرتبطًا بما سيحصل عليه العضو، وتصبح المغادرة خيارًا عندما تتراجع فرصته في الموقع أو التمثيل؟

هذه الأسئلة لا تدين المستقيل ولا تبرئ الحزب، لكنها تفتح ملفًا يجب أن تناقشه الأحزاب بجدية. فالاستقالة السياسية قد تكون احتجاجًا على غياب الديمقراطية الداخلية، وقد تكون رفضًا لاحتكار القرار، وقد تكون تعبيرًا عن اختلاف فكري حقيقي، كما يمكن أن تكون في بعض الحالات نتيجة حسابات شخصية مرتبطة بالموقع والمصلحة. وفي جميع الأحوال، فإن ارتفاع حركة الدخول والخروج من الأحزاب يكشف مشكلة أعمق في بناء الانتماء الحزبي نفسه؛ لأن الحزب الذي يقوم على فكرة وبرنامج وموقف سياسي يفترض أن تكون العلاقة معه أعمق من موقع عابر أو مقعد أو لقب.

الأكثر إثارة للقلق أن بعض الأحزاب تتحدث كثيرًا عن الديمقراطية بينما تعاني ممارساتها الداخلية من ضعف واضح في تداول القرار والقيادة. مجموعة محدودة تقرر، وأخرى تؤيد، وقواعد حزبية لا تعرف أحيانًا كيف اتخذ القرار ولا لماذا اتخذ. وهنا تصبح الديمقراطية شعارًا يرفع خارج الحزب أكثر مما تمارس داخله.

أي حزب لا يستطيع ممارسة الديمقراطية بين أعضائه، سيكون من الصعب عليه إقناع الأردنيين بأنه قادر على حمايتها في الدولة.

وفي خضم الصراع على المواقع، تراجعت البرامج. أين رؤية الأحزاب للاقتصاد؟ أين برامج التشغيل؟ أين تصورها للإدارة العامة والتعليم والصحة والاستثمار والمديونية والفقر والبطالة؟ أين الشباب الذين قيل إن الحياة الحزبية الجديدة جاءت لفتح الأبواب أمامهم؟ وأين النساء من مواقع صناعة القرار الحزبي الحقيقية؟

السياسة الحديثة لا تقيس الأحزاب بحجم الشعارات، وإنما بقدرتها على تقديم البدائل. وفي الديمقراطيات الراسخة، الحزب الذي يريد الوصول إلى السلطة يقدم للناخب برنامجًا يمكن مساءلته عنه: ماذا سيفعل بالضرائب؟ كيف سيخلق الوظائف؟ ماذا سيغير في التعليم؟ كيف سيدير الاقتصاد؟ وما موقفه من القضايا الداخلية والخارجية؟

أما أن يتحول الحزب إلى سلّم للوصول إلى وظيفة عامة أو لقب سياسي، فهذه ليست حياة حزبية بالمعنى الذي يستحق كل هذا المشروع الوطني الكبير.

والمفارقة أن بعض من يتصدرون المشهد اليوم يتصرفون وكأن الناخب لا يراقب. وهذه قراءة خاطئة للمجتمع الأردني. المواطن قد يصمت، لكنه يراقب الأشخاص والمواقف والتحالفات والتنقلات والصراعات، ويعرف إلى حد كبير من دخل الحزب من أجل فكرة ومن دخله بحثًا عن فرصة.

الانتخابات النيابية المقبلة ليست بعيدة. عامان في السياسة فترة قصيرة جدًا، وستكون صناديق الاقتراع الاختبار الأكثر قسوة لهذه التجربة. عندها لن تكون البيانات والمؤتمرات والصور كافية، وسيقف الحزب أمام المواطن مطالبًا بالإجابة عن سؤال بسيط: ماذا فعلتم؟

لهذا فإن الخطر الحقيقي على الأحزاب الأردنية اليوم لا يأتي من خصوم الحياة الحزبية، وإنما قد يأتي من داخلها؛ من الشخصنة، ومن الصراع على المواقع، ومن تحويل الحزب إلى دائرة مصالح، ومن الاعتقاد أن الاقتراب من مركز القرار أهم من الاقتراب من الناس.

الأردن ذهب إلى التحديث السياسي بحثًا عن أحزاب قوية ومؤسسية وبرامجية، قادرة على الوصول إلى البرلمان وتشكيل الحكومات وتحمل مسؤولية القرار أمام المواطنين. وهذه فرصة تاريخية للأحزاب، لكنها في الوقت ذاته امتحان تاريخي لها.

ومن يعتقد أن الطريق إلى المستقبل السياسي يمر عبر التنفيعات والمناصب والألقاب، قد يكتشف عند أول اختبار انتخابي حقيقي أن الطريق الأقصر إلى المنصب كان أيضًا الطريق الأقصر إلى السقوط.

فالناخب الأردني جرب التجربة الأولى، وفي الجولة القادمة ستكون لديه ذاكرة أكبر، ومعرفة أوسع، وقدرة أدق على التمييز بين حزب يحمل مشروعًا، وحزب يحمل أصحابه.