العبادي يكتب: «أين الملك؟»

mainThumb
العبادي يكتب: «أين الملك؟»

29-08-2026 01:37 PM

printIcon

سهم محمد العبادي

منذ سنوات طويلة يتردد سؤال: «أين الملك؟». يطرحونه عندما يكون جلالة الملك عبدالله الثاني في إجازة خاصة، ويطرحونه أحيانًا وهو في زيارة رسمية معلنة، وكأن المطلوب ليس معرفة أين الملك، وإنما إبقاء السؤال حاضرًا مهما كانت الإجابة واضحة أمام الناس.

قبل أيام كان الملك في الصين. زيارة رسمية، لقاء مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، مباحثات سياسية واقتصادية، لقاءات مع مسؤولين وقيادات في القطاع الخاص، وجولات في بكين وشنغهاي وشنجن بحثت فرص التعاون والاستثمار والتكنولوجيا والصناعة. كل ذلك معلن وموثق. ومع ذلك خرج من يسأل: أين الملك؟ إذن، القضية ليست أين الملك، وتوضيح الواضحات من الفاضحات. القضية أن هناك من يريد الأردن في حالة دفاع مستمرة عن نفسه؛ عن قيادته، وجيشه، ومواقفه، وهويته، وتاريخه، وحتى عن حقه في اتخاذ القرار الذي يراه مناسبًا لمصالحه الوطنية.

راقبوا الخطاب الذي يستهدف الأردن منذ سنوات، وستجدون قاموسًا يكاد يتكرر دون تغيير: أين الملك؟ أين الجيش؟ أين الأردن؟ لماذا فعل الأردن؟ لماذا سكت الأردن؟ ماذا قدم الأردن؟ هذه الأسئلة سبقت حرب غزة، وتصاعدت خلالها، وتتجدد اليوم مع كل أزمة أو حرب أو مواجهة إقليمية، وصولًا إلى الصراع المرتبط بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

ولا اعتراض لدينا على السؤال. حرية الرأي حق، وانتقاد الحكومات حق، ومساءلة المسؤول حق. ونحن في الأردن مارسنا النقد وسنمارسه، لأن الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن أخطائها، وحب الوطن لا يعني السكوت عن التقصير. لكن ما نشاهده في حالات كثيرة يتجاوز النقد إلى صناعة الشك. هناك فارق كبير بين من يسأل ليعرف، ومن يسأل وقد قرر مسبقًا رفض كل إجابة.

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الذين يضعون الأردن تحت مجهرهم صباح مساء، لا نسمع لهم الصوت ذاته تجاه دول عربية أخرى. لا نرى ربع هذه الجرأة تجاه دول تمول بعضهم أو توفر لهم الإقامة والمساحة والمنابر. والأشد غرابة أن بعض هذه الأصوات لا تخصص للاحتلال الإسرائيلي، بما يرتكبه في فلسطين، القدر ذاته من الهجوم الذي تخصصه للأردن. لماذا الأردن دائمًا؟ هذا سؤال يستحق الدراسة السياسية، وليس الانفعال.

هناك خطاب يستهدف الأردن من أكثر من اتجاه. أصوات تتحرك من تركيا، وأخرى من دول عربية، وجهات وأفراد في دول أجنبية، ويلتقي معهم في الداخل أردنيون أو مقيمون يتبنون الرواية ذاتها، وأستطيع تسميتهم بالمتعهدين للعمل في صالح هذه الروايات. لا أقول إن كل من ينتقد الأردن جزء من مؤامرة، فمثل هذا القول سذاجة سياسية، ولا يجوز أن نضع أصحاب الرأي المختلف في سلة واحدة. لكن عندما تتكرر المفردات ذاتها، والتوقيت ذاته، والرواية ذاتها، والأسئلة ذاتها، يصبح من حقنا أن نتساءل: هل نحن أمام آراء فردية متفرقة، أم أمام بيئة خطاب منظمة تعرف ماذا تريد من الأردن؟

وأقول بوضوح: الأردن مستهدف في صورته. المستهدف أن يفقد الأردني ثقته بدولته، وبمؤسساته، وبجيشه، وبقيادته، وأن يصبح كل خبر مدخلًا للشك، وكل موقف مادة للتشكيك، وكل غياب قصة، وكل حضور قصة أخرى. لكن تحميل الخارج المسؤولية كاملة سيكون هروبًا من الحقيقة. نحن في الأردن نتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية.

لدينا رواية قوية، لكننا في أحيان كثيرة نختار لها رواة ضعفاء، وهذه واحدة من مشكلات الإعلام السياسي الأردني اليوم. هناك من يروي قصة الدولة وكأنه يروي «ليلى والذئب»، وهناك من يقدمها بطريقة «ألف ليلة وليلة»، وهناك من يحولها إلى حكاية من حكايات أبو اللواف؛ خطاب لا يقنع الأردني في الداخل، فكيف نريده أن يقنع العربي في الخارج؟

الدولة الأردنية تمتلك الوقائع والتاريخ والمواقف، لكنها تحتاج إلى أشخاص قادرين على تقديمها بلغة الناس، لا بلغة البيانات المحفوظة. هناك شخصيات وطنية أردنية تمتلك المعرفة والحضور والقدرة على النقاش والمواجهة، وتستطيع الدفاع عن الأردن دون نفاق أو مبالغة، وتستطيع الاعتراف بالخطأ عندما يقع والدفاع عن الموقف عندما يكون صحيحًا. لماذا يغيب كثير من هؤلاء؟ ولماذا تصر بعض المؤسسات على الأشخاص أنفسهم، رغم أن جزءًا منهم فقد تأثيره وثقة الجمهور به؟ هذه أسئلة على الدولة أن تواجهها، فلا تستطيع أن تخوض معركة رواية بأدوات فقدت قدرتها على الإقناع.

وفي الفترة الأخيرة برز أمر أخطر. كل من يتحدث بقوة عن ثوابت الدولة الأردنية ويواجه حملات التشكيك قد يتعرض لهجوم إلكتروني منظم. تبدأ الشتائم والتخوين والتشويه، ثم يجد الرجل نفسه وحيدًا، والأخطر أن بعض الأردنيين أصبح يخشى حتى أن يكتب تعليقًا مؤيدًا له، حتى لا ينتقل الهجوم إليه. كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ كيف أصبح المشكك أكثر جرأة من المدافع عن وطنه؟ وكيف نطالب الناس بمواجهة الرواية المضادة، ثم نترك من يواجهها وحيدًا؟

الأردن لا يحتاج إلى جيوش إلكترونية ترد الشتيمة بالشتيمة، ولا يحتاج إلى تخوين كل صاحب رأي مختلف. الأردن يحتاج إلى منظومة إعلام سياسي حديثة تعرف ماذا يحدث حولها، وترصد المعلومة قبل انتشارها، وتجيب عنها بالحقيقة، وتفتح المجال أمام أصحاب الحجة والمعرفة والحضور. نحن أمام معركة رواية بامتياز، وفي هذه المعركة لا يكفي أن تكون على حق، عليك أن تعرف كيف تقدم حقك، ومن يقدمه، ومتى يقدمه، ولمن يقدمه.

أما السؤال: «أين الملك؟»، فالملك كان في الصين قبل أيام، والتقى رئيسها وكبار مسؤوليها، وتحرك بين مدنها ومؤسساتها وشركاتها بحثًا عن مصالح الأردن. ومن أراد أن يعرف أين الملك، فالأخبار أمامه. أما من شاهد كل ذلك ثم عاد ليسأل «أين الملك؟»، فهو لا يبحث عن الملك، إنه يبحث عن سؤال جديد يضع به الأردن مرة أخرى في دائرة الشك.

وهنا يجب أن تنتقل الدولة من الإجابة عن السؤال إلى فهم من يصنعه، ولماذا يتكرر، وكيف نواجه الرواية التي تقف خلفه. فالأردن لا تنقصه الحجة، ما ينقصه أحيانًا هو من يحملها إلى الناس كما يجب.