أخبار اليوم - في تحوّل حاد عن سياسة الولايات المتحدة التي سعت خلال الحرب الأوكرانية الروسية منذ نحو خمسة أعوام إلى فرض العقوبات على موسكو وخنق عائدات الطاقة الروسية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اتفاقا مع نظيره فلاديمير بوتين، لتوريد كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية.
ويروّج ترمب الاتفاق بوصفه حلا لمعضلة ارتفاع أسعار الوقود، التي خلفتها الحرب الأمريكية على إيران، لا سيما قبل انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل، لكن أوكرانيا تخشى من أن يشكّل الإعلان إضعافا لأوراقها التفاوضية، بينما يقدم دعما سياسيا وماليا لروسيا، يساعدها على إطالة أمد الحرب.
ويأتي إعلان ترمب المفاجئ بعد أن وقّع الشهر الماضي قانونا لفرض عقوبات واسعة على روسيا بهدف تقييد اقتصادها في مجال الطاقة، من بين مجالات أخرى تغذي حربها مع أوكرانيا.
وأعلن الرئيس الأمريكي عن الاتفاق بينما كان مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يجتمعان مع مسؤولين أوكرانيين في ولاية ميامي لمناقشة مقترح لإنهاء الحرب بين كييف وموسكو.
ما طبيعة الاتفاق؟
مساء أمس الجمعة، أعلن ترمب أن الرئيس الروسي التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في الأسواق على مدى أشهر، بعد "محادثة مثمرة للغاية ".
ووفق منشور ترمب على وسائل التواصل، ستقوم روسيا بتوريد الديزل إلى السوقين الأمريكية والعالمية على النحو الآتي:
أكثر من 300 ألف طن على الفور.
500 ألف طن خلال نوفمبر/تشرين الثاني.
مليون طن إضافي بعد ذلك.
وأشار ترمب إلى أن روسيا ستضخ، علاوة على ذلك، 3 ملايين طن إضافية بسرعة وخلال فترة قصيرة، وفقا لوضع مصافي التكرير لديها.
وعقب إعلان ترمب، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها سترفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسي، للسماح بتوريد الديزل إلى السوق العالمية، وأصدرت ترخيصا لمنتجي الطاقة الروس لبيع وقود الديزل حتى أبريل/نيسان 2027.
ويُعدّ هذا أحدث ترخيص تصدره وزارة الخزانة في ما يتعلق بشحنات الوقود الروسية منذ اندلاع الحرب في إيران، لكنه الأول الذي يخفف العقوبات على الديزل لفترة تتجاوز مهلة الثلاثين يوما المعتادة منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022.
ووفق وكالة أسوشيتد برس، فإن هذه التراخيص تؤكد كيف عززت تداعيات الحرب في إيران قدرة موسكو على الاستفادة من صادراتها من الطاقة.
لكن الاتفاق لا يزال يكتنفه الغموض، إذ لم يرد البيت الأبيض على التساؤلات بشأن الجهة التي ستدفع ثمن الديزل الروسي، أو موعد توفره.
لماذا أقدم ترمب على الاتفاق الآن؟
يأتي الاتفاق في وقت تواجه فيه إدارة ترمب ضغوطا بسبب ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة، بالتزامن مع تداعيات الحرب على إيران واضطراب أسواق الطاقة.
وبلغ متوسط سعر غالون الديزل في محطات الوقود الأمريكية 6.28 دولارات، ارتفاعا من 3.68 دولارات قبل عام، وفق جمعية السيارات الأمريكية (AAA).
ويدرك الرئيس الأمريكي أن ارتفاع أسعار الوقود سبب رئيسي لاستياء الناخبين، قبيل انتخابات منتصف الولاية البالغة الأهمية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني.
ويخشى الحزب الجمهوري فقدان السيطرة على الكونغرس في هذه الانتخابات.
وقال ترمب في معرض إعلانه عن الاتفاق إن "أسعار الديزل بالنسبة للأمريكيين، بل وللعالم بأسره، ستنخفض بسرعة وبمعدلات قياسية! فتوفير أسعار أقل للأمريكيين، لا سيما لمزارعينا ومربي الماشية وسائقي الشاحنات الرائعين، يمثل أولويتي القصوى".
لكن خبراء يشككون في قدرة الإمدادات المعلنة على خفض الأسعار بصورة ملموسة، بالنظر إلى أن الكميات الإضافية محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك العالمي.
ما الذي تكسبه روسيا؟
يمثل الاتفاق مكسبا اقتصاديا وسياسيا لموسكو؛ إذ يتيح لها استعادة جزء من قدرتها على تصدير منتجاتها من الطاقة، ويعكس استعداد واشنطن للتعامل معها تجاريا قبل انتهاء الحرب.
وكانت روسيا، وهي مورد رئيسي للديزل لبقية العالم، قد مددت الأسبوع الماضي حظر تصدير الديزل حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول، بسبب صعوبات في تلبية الطلب المحلي، في ظل ضربات أوكرانية قاسية استهدفت مصافي النفط ومنشآت الوقود الأخرى، بينما قالت وكالة الطاقة الدولية إن إنتاجها من الديزل انخفض بنحو 30%.
وعلى الرغم من معاناة روسيا من أشد أزمة بنزين منذ عقود، وعجز كثير من محطات الوقود في موسكو ومناطق أخرى من البلاد عن مواكبة الطلب، فإن لديها فائضا من الديزل.
وترى صحيفة نيويورك تايمز أن عودة الديزل الروسي إلى الأسواق الدولية يُعَد مكسبا للرئيس الروسي بوتين، الذي سعى لسنوات إلى كسر العزلة التي تفرضها العقوبات الأمريكية على قطاع الطاقة الروسي.
وكان الرئيس الروسي أكد استعداد بلاده لتوريد النفط والمنتجات النفطية إلى أسواق الولايات المتحدة والعالم بأسره.
وأضاف: "دخول النفط الروسي إلى الأسواق الأمريكية ستكون له تداعيات إيجابية على الاقتصاد العالمي".
ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي، إذ قال الكرملين في بيان إن بوتين وترمب اتفقا على مواصلة الاتصالات الشخصية والتعاون بين مؤسسات وأجهزة استخبارات البلدين.
وأضاف البيان أن الاتصال الهاتفي بين الرئيس الروسي ونظيره الأمريكي ركز على آفاق تسوية الأزمة في أوكرانيا وتناول ملف إيران، الأمر الذي قد يعزز من موقف روسيا.
ما ردود الفعل في أمريكا؟
لم يحظ الاتفاق بترحيب داخل الولايات المتحدة، إذ انتقده نواب بوصفه تقويضا للقانون الذي وقعه ترمب الشهر الماضي، واستهدف قطع إيرادات روسيا وتمويل حربها.
ويفرض القانون عقوبات على مسؤولين روس وبنوك وأسطول الظل من ناقلات النفط، ويحظر أي استثمار أمريكي جديد في روسيا والتعامل مع الديون السيادية.
وفي بيان مشترك، قال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، والسيناتورة جين شاهين، أبرز ديمقراطية في لجنة العلاقات الخارجية، والسيناتورة إليزابيث وارن، أبرز ديمقراطية في اللجنة المصرفية إن "إعلان ترمب يمثل خيانة لأوكرانيا والحلفاء الأوروبيين والأمن القومي الأمريكي".
وأضاف البيان: "كفى. يجب على الرئيس أن ينهي حربه مع إيران بدلا من تمويل آلة الحرب الروسية".
في حين أشار السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، أحد المشاركين في رعاية قانون العقوبات على روسيا، إلى أن الاتفاق يتعارض مع الإرادة المشتركة بين الحزبين في الكونغرس، في إقرار تشريع يستهدف قطع الإيرادات عن روسيا والحد من شراء نفطها وغازها.
وعلّق النائب الجمهوري عن نبراسكا، دون بيكون، قائلا: "إن دعم اقتصاد الحرب الخاص ببوتين خطأ أخلاقي، في وقت يستخدم فيه تلك الأموال لقصف المدن. سياسات الرئيس تجاه روسيا وأوكرانيا فاشلة".
لماذا تقلق كييف من الاتفاق؟
وأثار الاتفاق غضب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصف القرار بأنه "سيئ على الإطلاق، وغير عادل ولا نزيه "، وأنه "استثمار في حرب يجب إنهاؤها".
وكتب زيلينسكي على منصة إكس: "الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام أو أي فائدة للعالم المتحضر".
وأضاف: "إنه يصب في مصلحة روسيا، بما يسمح لها بالقتل أكثر، وخوض الحرب لفترة أطول، وإبداء قدر أقل من الاحترام لأمريكا، وإلحاق خسائر وأضرار أكبر بالعالم".
وتكمن مخاوف كييف في أن عائدات صادرات الطاقة قد تساعد موسكو على مواصلة تمويل الحرب، في وقت تحاول فيه أوكرانيا تقليص قدرات روسيا عبر استهداف مصافي النفط ومنشآت الطاقة.
وترجّح صحيفة الغارديان البريطانية أن يؤدي التطور الأخير إلى مزيد من التدهور في علاقة زيلينسكي بإدارة ترمب.
هل سيؤثر على المفاوضات؟
ويتزامن الاتفاق مع مساعٍ في الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، إذ اجتمع مبعوثا ترمب مع مفاوضين أوكرانيين في ميامي، بمشاركة أطراف أوروبية، لمناقشة "أفكار جديدة" لتسوية الصراع.
لكن زيلينسكي اعتبر -وفق بيان أصدرته السفارة الأوكرانية في واشنطن- أن المفاوضين الأوكرانيين استُخدموا كـ"غطاء" للمضي في الاتفاق مع موسكو.
وكان ترمب انتقد أوكرانيا مؤخرا، بسبب مهاجمتها مصافي الديزل الروسية، داعيا زيلينسكي إلى اختيار أهداف بديلة.
لكن الرئيس الأوكراني رفض الطلب ما لم تقبل روسيا خطة متبادلة لخفض التصعيد تقضي بوقف موسكو هجماتها على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.
هل سيسهم بالفعل في خفض أسعار الديزل؟
يشكك محللون في أن تكفي الكميات المعلنة لإحداث تغيير كبير في الأسعار.
ونقلت نيويورك تايمز عن خبراء تقديرات تشير إلى أن الإمدادات المحتملة تظل محدودة قياسا بحجم الطلب العالمي على الديزل، إذ يحرق العالم يوميا نحو 30 مليون برميل من الديزل وأنواع الوقود المرتبطة به.
كما يحذر محللون من أن تحويل شحنات روسية إلى السوق الأمريكية قد يحرم مشترين آخرين منها، من دون أن يزيد المعروض العالمي بالقدر نفسه.
وتنقل أسوشيتد برس عن مايكل لينش، من مؤسسة أبحاث سياسات الطاقة، قوله إنه "إذا حصلنا على الديزل من روسيا، فهذا يعني في الأساس أن زبائنها الحاليين لن يحصلوا عليه، وسيتعين عليهم التوجه إلى مكان آخر، وسيُبقي ذلك السعر في الأساس عند مستواه الحالي".
المصدر: أسوشيتد برس + الجزيرة + غارديان + نيويورك تايمز