المومني: الاعتراف بالجريمة لا يكفي للإدانة والقاضي ملزم بالتحقق من صحته

mainThumb
المومني: الاعتراف بالجريمة لا يكفي للإدانة والقاضي ملزم بالتحقق من صحته

24-10-2026 11:12 AM

printIcon
أخبار اليوم - أكد المحامي صدام ماهر المومني أن الاعتراف في القضايا الجزائية يخضع لتقدير المحكمة وقناعتها بالأدلة المقدمة، محذرًا من الاعتماد على اعتراف المتهم وحده دون التحقق من صحته والظروف التي صدر فيها، خصوصًا أن بعض الاعترافات قد تكون بهدف حماية أشخاص آخرين أو نتيجة ضغوط وإكراه أو مقابل منافع مالية.

وقال المومني، خلال حديثه ضمن سلسلة قانونية تتناول وسائل الإثبات في القضايا الجزائية، إن هناك فروقًا جوهرية بين الاعتراف والإقرار من حيث طبيعة القضايا التي يردان فيها، وحجيتهما القانونية، ومدى تأثير كل منهما في الأشخاص الآخرين، إضافة إلى سلطة المحكمة في تقديرهما وإمكانية الرجوع عنهما.

وأوضح أن الإقرار يرتبط بالقضايا الحقوقية، بينما يرتبط الاعتراف بالقضايا الجزائية، مشيرًا إلى أن التمييز بينهما يمثل مسألة أساسية لفهم كيفية تعامل المحاكم مع أقوال الخصوم والمتهمين، ومدى إمكانية الاستناد إليها في إصدار الأحكام القضائية.

وأضاف أن الإقرار في القضايا الحقوقية يُعد حجة قاصرة على الشخص الذي صدر عنه، بمعنى أن الشخص الذي يقر بوجود التزام مالي في ذمته لا يمتد أثر إقراره تلقائيًا إلى الآخرين، حتى لو تضمن حديثه الإشارة إلى وجود أشخاص آخرين يتحملون الالتزام نفسه.

وبيّن المومني أنه إذا حضر شخص أمام المحكمة وأقر بوجود مبلغ مالي مستحق عليه وعلى شخص آخر، فإن أثر هذا الإقرار ينصرف إلى المقر نفسه، ولا يجوز تحميل الطرف الآخر المسؤولية استنادًا إلى إقرار لم يصدر عنه وحده.

وأشار إلى أن الوضع يختلف في القضايا الجزائية، إذ قد يعترف المتهم بارتكابه جريمة معينة، ويتضمن اعترافه الإشارة إلى مشاركة أشخاص آخرين في ارتكابها، الأمر الذي يطرح مسألة القيمة القانونية لهذا الاعتراف ومدى إمكانية الاستناد إليه بحق بقية المتهمين.

وأوضح أن المحكمة قد تأخذ باعتراف أحد المتهمين المتضمن اتهام شركاء آخرين، إذا اقترن بأدلة وبيّنات إضافية تؤيد صحته وتدعم الوقائع الواردة فيه، مؤكدًا أن مجرد ذكر أسماء أشخاص في اعتراف متهم لا يكفي وحده لإثبات مسؤوليتهم الجزائية.

وشدد المومني على أن الاعتراف في القضايا الجزائية يخضع لقناعة القاضي الوجدانية، وأن المحكمة مطالبة بفحص مدى صدقه وانسجامه مع بقية الأدلة والوقائع الثابتة في ملف القضية.

وقال إن القاضي الجزائي يجب أن يتعامل بحذر مع الاعترافات، وألا يفترض صحتها بصورة تلقائية، لأن الاعتراف قد يصدر أحيانًا لأسباب لا تتصل بالحقيقة الفعلية للجريمة.

وأضاف أن هناك حالات قد يقدم فيها شخص على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها بهدف حماية والده أو شقيقه أو أحد أقاربه من الملاحقة القانونية، كما قد يتفق عدد من الأشخاص المتورطين في جريمة على أن يتحمل أحدهم المسؤولية مقابل مبلغ مالي أو منفعة معينة.

وأوضح أن هذه الاحتمالات تستوجب من المحكمة التحقق من دوافع الاعتراف وظروف صدوره، ومقارنته مع الأدلة الفنية والشهادات وسائر البينات المتوفرة، للتأكد من أن الشخص المعترف هو من ارتكب الفعل المنسوب إليه فعلًا.

وأكد أن الاعتراف يجب ألا يتحول إلى وسيلة مختصرة لإثبات الجريمة دون استكمال البحث في الوقائع، مشيرًا إلى أن العدالة الجزائية تقوم على فحص الأدلة وتقديرها بصورة متكاملة.

ولفت المومني إلى أن عدم اقتناع القاضي بصحة الاعتراف يمنعه من الاعتماد عليه في بناء حكم بالإدانة، حتى لو كان المتهم قد أقر أمام جهة التحقيق أو المحكمة بارتكاب الفعل.

وفي المقابل، أوضح أن الإقرار في القضايا الحقوقية يتمتع بحجية قانونية مختلفة، إذ يكون للإقرار القضائي الصحيح أثر ملزم بحق المقر، ولا يخضع للتقدير بالطريقة ذاتها التي يخضع لها الاعتراف الجزائي.

وأشار إلى أن القاضي الحقوقي يستند إلى الإقرار المستوفي لشروطه القانونية عند الفصل في النزاع، مع مراعاة الحالات التي تكشف فيها الوقائع الثابتة عدم صحة ما ورد في الإقرار أو تعارضه مع واقع الحال.

وضرب المومني مثالًا على ذلك بوجود كمبيالة منسوبة إلى شخص كان متوفى بتاريخ تحريرها، ثم يأتي ورثته ويقرون بصحتها، موضحًا أن هذا الإقرار يصطدم بواقعة الوفاة السابقة لتاريخ تحرير الكمبيالة، ما يستوجب التحقق من صحة المستند وعدم بناء الحكم على إقرار يتناقض مع الوقائع الثابتة.

وبيّن أن هذه الحالة توضح أهمية التمييز بين حجية الإقرار من الناحية القانونية وبين وجود وقائع مادية قاطعة تتعارض مع مضمونه، مؤكدًا أن المحاكم لا تتعامل مع الأقوال بمعزل عن الظروف والحقائق المتعلقة بالدعوى.

وفيما يتعلق بإمكانية الرجوع عن الأقوال، أوضح المومني أن المتهم في القضية الجزائية يستطيع الرجوع عن اعترافه، وأن للمحكمة تقييم هذا الرجوع ودراسة أسبابه في ضوء الأدلة والظروف المحيطة بالقضية.

وأضاف أن المتهم قد يتمسك بأن اعترافه صدر تحت تأثير الإكراه أو الضغط، أو أنه لم يفهم مضمون الأسئلة أو الصياغة التي وردت في أقواله بصورة صحيحة، وهي أمور تستوجب بحثها والتحقق منها قبل تحديد القيمة القانونية للاعتراف.

وأكد أن الادعاء بوجود إكراه أثناء الحصول على الاعتراف يمثل مسألة مهمة، نظرًا إلى ارتباطها بضمانات المحاكمة العادلة وسلامة إجراءات التحقيق ومشروعية الأدلة التي تستند إليها المحكمة.

وأشار إلى أن الرجوع عن الاعتراف لا يعني تلقائيًا استبعاده أو قبوله، وإنما يتعين على المحكمة دراسة الاعتراف الأصلي والرجوع عنه وبقية الأدلة، وصولًا إلى قناعة قضائية تستند إلى الوقائع الثابتة.

أما في القضايا الحقوقية، فأوضح المومني أن الأصل في الإقرار القضائي الصحيح أنه ملزم للمقر، ولا يجوز له التراجع عنه لمجرد تغيير موقفه من النزاع، مع مراعاة الاستثناءات والأسباب القانونية التي قد تؤثر في صحته أو حجيته.

وشدد على أن الفارق بين الاعتراف والإقرار لا يقتصر على المصطلحات القانونية، وإنما يمتد إلى طبيعة الإثبات وحقوق الأطراف وسلطة القاضي في تقدير الأدلة ومدى إلزاميتها.

وقال إن الاعتراف في الدعوى الجزائية يحتاج إلى فحص دقيق، خصوصًا عندما يتضمن اتهام أشخاص آخرين، لأن المسؤولية الجزائية شخصية، ولا يجوز إدانة أي شخص إلا استنادًا إلى أدلة تقنع المحكمة بثبوت مسؤوليته وفق القانون.

وأكد أن فهم هذه الفروق يساعد المواطنين على إدراك حقوقهم القانونية أثناء التحقيق والمحاكمة، ويمنع الخلط بين الاعتراف بارتكاب جريمة والإقرار بوجود التزام أو حق مدني.

واختتم المومني حديثه بالتأكيد على أن الاعتراف في القضايا الجزائية يظل خاضعًا لرقابة المحكمة وتقديرها، وأن التحقق من صدقه وسلامة الظروف التي صدر فيها يمثل ضمانة أساسية لحماية حقوق المتهمين والوصول إلى الحقيقة، فيما يتمتع الإقرار في القضايا الحقوقية بحجية خاصة تحددها أحكام القانون وشروط صحته.