أخبار اليوم - استعرضت فادية عليوات جوانب من الذاكرة الاجتماعية والتراثية لمدينة
ماحص في محافظة البلقاء، مسلطة الضوء على ارتباط أهلها بالأرض، والمحافظة على قيم
الجيرة والضيافة والتكافل الاجتماعي، رغم التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المدينة على مدار السنوات الماضية.
وقالت عليوات، في حديث تناول تاريخ المدينة وذاكرتها الإنسانية، إن
ماحص الواقعة غرب العاصمة عمّان تتميز بطبيعتها الجغرافية التي تتداخل فيها التلال مع البيوت والحقول، ما يمنحها خصوصية تتجاوز مساحتها الجغرافية إلى تاريخها وعلاقات أهلها وموروثها الاجتماعي.
وأضافت أن
ماحص من المدن التي تحتفظ بملامح واضحة من حياتها القديمة، رغم توسع العمران وتطور الشوارع والمباني، مشيرة إلى أن أشجار الزيتون والأراضي الزراعية والبيوت القديمة ما زالت تشكل جزءًا من
ذاكرة المكان وهويته.
وأوضحت أن أهمية
ماحص لا تقتصر على كونها تجمعًا سكانيًا تطور مع مرور الزمن، وإنما تمثل نموذجًا لفهم جوانب من السردية الاجتماعية الأردنية، من خلال تاريخ العائلات والعلاقات بين السكان وطبيعة الحياة التي قامت على التعاون والتواصل المباشر بين الناس.
وأشارت عليوات إلى أن المدينة تعكس جانبًا من التحولات التي مرت بها المجتمعات المحلية الأردنية، وكيف انتقلت من أنماط الحياة المرتبطة بالأرض والزراعة إلى الحياة الحديثة، مع استمرار حضور عدد من القيم والعادات التي شكلت هوية المجتمع.
وأكدت أن علاقة أهالي
ماحص بأرضهم تتجاوز قيمتها الزراعية والاقتصادية، إذ ترتبط الأرض بأسماء العائلات وذكريات الأجيال وقصص الأشخاص الذين عاشوا فيها وأسهموا في تشكيل تاريخها الاجتماعي.
ولفتت إلى أن الحقول وأشجار الزيتون القديمة تمثل شواهد على مرحلة كانت فيها الأرض مصدرًا رئيسيًا للرزق وعنصرًا أساسيًا في تكوين الهوية والانتماء، مشيرة إلى أن هذه الشواهد ما زالت حاضرة إلى جانب مظاهر التوسع العمراني.
وتحدثت عليوات عن طبيعة العلاقات الاجتماعية التي ميزت المدينة، موضحة أن قيم
الجيرة والضيافة والتكافل كانت جزءًا من الحياة اليومية، وأن التواصل بين العائلات لم يكن مرتبطًا بالمناسبات وحدها، وإنما امتد إلى تفاصيل الحياة ومشاركة الأفراح والأحزان.
وقالت إن الذاكرة الاجتماعية لماحص تحتفظ بقصص البيوت التي كانت تجمع الأقارب والجيران، والمناسبات التي يعرف أهل المدينة تفاصيلها، والأشخاص الذين رحلوا وبقي أثرهم حاضرًا في
ذاكرة أبنائها.
وأضافت أن المدن الصغيرة في
الأردن تتمتع بخصوصية مهمة تتمثل في قدرتها على الاحتفاظ بذاكرة اجتماعية لا توثقها الكتب بالضرورة، وإنما تنتقل بين الأجيال من خلال الأحاديث العائلية والحكايات والمواقف المتوارثة.
وأوضحت أن كثيرًا من قصص
ماحص انتقلت من الأجداد إلى الأحفاد، من خلال جلسات المساء وأحاديث الصباح، والحكايات المرتبطة بمواسم الحصاد والأعراس والبيوت القديمة والعلاقات بين الجيران.
وأشارت إلى أن هذه التفاصيل تشكل جزءًا من التراث الاجتماعي غير المكتوب، وتعكس طبيعة المجتمع الذي نشأ على المعرفة المتبادلة بين السكان، حيث كانت العلاقات الإنسانية تقوم على القرب والمشاركة والثقة.
وأكدت عليوات أن التحولات العمرانية التي شهدتها
ماحص لم تمحُ جميع ملامحها القديمة، إذ ما زالت بعض البيوت والأراضي والأشجار تحمل شواهد على مراحل سابقة من تاريخ المدينة.
وأضافت أن توسع المدينة وتغير طرقها وأنماط الحياة فيها، إلى جانب ظهور أجيال جديدة تحمل طموحات وأحلامًا مختلفة، يعكس قدرة المجتمع المحلي على مواكبة التطور مع الاحتفاظ بجزء من هويته الاجتماعية.
ولفتت إلى أن الانتماء إلى
ماحص يحمل لدى أبنائها معاني تتجاوز مكان السكن، إذ يرتبط بتاريخ العائلة والأرض والذكريات والأشخاص الذين شكلوا تجاربهم الإنسانية.
وأوضحت أن السؤال عن مكان الانتماء قد يحمل بالنسبة إلى أحد أبناء
ماحص حكاية كاملة عن العائلة والحي والأرض والأيام التي عاشها مع الأهل والجيران، بما يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والمكان.
وشددت على أن الحفاظ على
ذاكرة المدن الأردنية الصغيرة يمثل جانبًا مهمًا من المحافظة على الهوية الاجتماعية، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات وأنماط الحياة.
وأكدت أن
ماحص تقدم مثالًا على المدن التي استطاعت التكيف مع مظاهر الحداثة، مع استمرار حضور قيم اجتماعية تشكلت عبر أجيال متعاقبة، وفي مقدمتها صلة الرحم واحترام
الجيرة والتعاون بين الأهالي.
واختتمت عليوات حديثها بالتأكيد على أن
ماحص تمثل بالنسبة إلى أبنائها أكثر من مجرد
مدينة يقيمون فيها، لأنها تختزن تاريخ عائلاتهم وذكرياتهم وعلاقاتهم الإنسانية، معبرة عن هذا الارتباط بقولها: «ماحص ليست فقط مكانًا نسكنه، بل مكان يسكن فينا».