مراقبة الأبناء في الفضاء الرقمي .. ضرورة لحمايتهم من التطرف والاستقطاب

mainThumb
مراقبة الأبناء في الفضاء الرقمي.. ضرورة لحمايتهم من التطرف والاستقطاب

26-10-2026 03:03 PM

printIcon
أخبار اليوم – تالا الفقيه

لم تعد حماية الأبناء مسؤولية تقتصر على المنزل والمدرسة والشارع، بل امتدت إلى فضاء رقمي مفتوح تتداخل فيه المعرفة مع التضليل، والتواصل مع الاستغلال، والمحتوى الترفيهي مع رسائل قد تستهدف عقول الأطفال واليافعين وتدفعهم تدريجياً نحو أفكار متطرفة أو سلوكيات خطرة.

وفي ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية وغرف المحادثة، باتت متابعة الأبناء رقمياً ضرورة تربوية وأسرية لا يجوز التعامل معها باعتبارها تدخلاً عابراً في خصوصيتهم، بل مسؤولية وقائية تهدف إلى حمايتهم من محاولات الاستقطاب والتجنيد الإلكتروني، ومن المحتوى الذي يروّج للكراهية والعنف ويستغل حاجتهم إلى القبول والانتماء.

الخطر لا يبدأ دائماً بفكرة متطرفة واضحة؛ فقد يبدأ برسالة مجهولة، أو علاقة رقمية مشبوهة، أو محتوى يتكرر حتى يصبح مألوفاً، أو خطاب يستثمر الغضب والعزلة والشعور بالظلم لبناء قناعات خطرة. وهنا تكمن أهمية انتباه الأسرة إلى التغيرات التي قد تطرأ على الأبناء، وطبيعة تفاعلهم مع العالم الرقمي، والأشخاص الذين يتواصلون معهم، والمصادر التي يستقون منها أفكارهم ومعلوماتهم.

ولا يعني ذلك أن كل استخدام مكثف للإنترنت مؤشر على التطرف، أو أن كل تغير في السلوك يستدعي الشك والاتهام؛ فالمراهقة مرحلة طبيعية تتسم بالتغير والبحث عن الهوية. لكن الانعزال المفاجئ، أو السرية غير المعتادة في التعامل مع اتصالات مجهولة، أو الترويج المتكرر للعنف والكراهية، أو تبرير استهداف الآخرين، قد تكون مؤشرات تستحق الحوار والانتباه، دون إصدار أحكام متسرعة أو تحويل المنزل إلى مساحة من الخوف والرقابة العقابية.

وتبدأ الحماية الحقيقية من بناء علاقة ثقة تجعل الابن قادراً على الحديث مع والديه عمّا يراه ويتعرض له عبر الإنترنت، دون خوف من الإهانة أو العقاب الفوري. فالحوار الصريح حول المحتوى المشبوه، والأشخاص الذين يحاولون التأثير فيه، والرسائل التي تطلب منه السرية أو تدفعه إلى قطع علاقاته بأسرته ومحيطه، قد يكون أكثر فاعلية من المنع وحده.

وتشمل المتابعة المسؤولة معرفة المنصات التي يستخدمها الأبناء، والتوعية بمخاطر التواصل مع الغرباء، ووضع قواعد واضحة تتناسب مع أعمارهم، والاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية وإعدادات الخصوصية، مع شرح أسباب هذه الإجراءات وأهدافها. فالحماية ليست مصادرة لحق الأبناء في التعلم والتواصل، وإنما تنظيم لاستخدام التكنولوجيا وتدريب على التعامل الواعي معها.

كما أن تحصين الأبناء يبدأ بتعليمهم التفكير النقدي، والتحقق من مصادر المعلومات، والتمييز بين الرأي والتحريض، وعدم الانسياق وراء الحسابات التي تستدرجهم بخطاب الكراهية أو الوعود الزائفة أو الشعارات التي تبرر العنف. فالمناعة الفكرية لا تتحقق بالحجب وحده، بل بعقل قادر على السؤال والتحليل ورفض الاستغلال.

وقد يجد بعض الشباب في الفضاء الرقمي مساحة للتعبير عن أنفسهم والبحث عن جماعة تشاركهم اهتماماتهم، وهي حاجة إنسانية طبيعية، لكن جهات متطرفة قد تستغل هذه الحاجة لبناء علاقات تدريجية قائمة على التأثير النفسي والفكري، ثم دفع المستهدفين إلى تبني مواقف أكثر تشدداً أو الانخراط في أنشطة مؤذية.

ومن هنا، لا بد من الانتباه إلى الحسابات التي تمجّد العنف، أو تحرض على فئات المجتمع، أو تطلب معلومات شخصية، أو تدفع إلى لقاءات سرية، أو تحاول إقناع الأبناء بأن الأسرة والمجتمع بأكمله عدوّ لهم. كما ينبغي التعامل مع هذه المؤشرات بحكمة، بعيداً عن التشهير أو نشر المحتوى التحريضي، والاستعانة بالجهات المختصة عند وجود تهديد جدي أو دعوات مباشرة إلى العنف.

ولا تقع المسؤولية على الأسرة وحدها؛ فالمدرسة مطالبة بتعزيز الوعي الرقمي، والمؤسسات الإعلامية والتربوية مطالبة بتقديم خطاب يواجه التطرف بالحجة والمعرفة، والمنصات الرقمية مطالبة بتطوير وسائل الإبلاغ والحماية. ويظل التنسيق بين هذه الأطراف ضرورياً لبناء بيئة أكثر أماناً للأطفال واليافعين.

إن حماية الأبناء في الفضاء الرقمي لم تعد خياراً مؤجلاً، بل مسؤولية يومية تتطلب وعياً ومتابعة وحواراً مستمراً. فترك الأبناء وحدهم أمام عالم رقمي واسع قد يعرّضهم لمخاطر لا يمتلكون دائماً الخبرة الكافية لفهمها، بينما تمنحهم المتابعة المتوازنة فرصة للتعلم والنمو واستخدام التكنولوجيا بأمان.