السبق الصحفي لا يبرر انتهاك حرمة الموت والحزن

mainThumb
السبق الصحفي لا يبرر انتهاك حرمة الموت والحزن

26-10-2026 03:06 PM

printIcon

أخبار اليوم – تالا الفقيه

في لحظات الفقد والمآسي الإنسانية، لا تُقاس مهنية الإعلام بسرعة الوصول إلى الصورة الأولى، ولا بعدد المشاهدات التي يحصدها الخبر، بل بقدرته على نقل الحقيقة دون أن يتحول الألم الإنساني إلى مادة للاستعراض أو وسيلة لجذب التفاعل على حساب كرامة أصحاب المصاب.

فحين تقع الحوادث المؤلمة، وتفقد العائلات أحباءها، وتغرق البيوت في الحزن والصدمة، يجد الإعلام نفسه أمام اختبار حقيقي لأخلاقياته المهنية؛ اختبار يكشف ما إذا كان يؤدي رسالته بوصفه ناقلاً مسؤولاً للحقيقة، أم ينجرف خلف سباق النشر حتى لو كان الثمن انتهاك الخصوصية وتعميق جراح المتضررين.

ليس كل ما تلتقطه الكاميرا صالحاً للنشر، وليس كل مشهد مؤثر ضرورة إخبارية. فهناك لحظات إنسانية ينبغي أن تبقى بعيدة عن عدسات التصوير، وهناك تفاصيل قد تحقق انتشاراً واسعاً، لكنها تترك أثراً قاسياً في نفوس عائلة تعيش أصعب أيامها. إن تصوير دموع الأمهات، وملاحقة ذوي الضحايا في لحظات الصدمة، ونشر مشاهد الجثامين أو الإصابات بصورة تنتهك حرمة الإنسان، لا يصبح مبرراً لمجرد أن الواقعة تحظى باهتمام الجمهور.

وتزداد خطورة هذه الممارسات في عصر المنصات الرقمية، حيث يمكن لصورة واحدة أو مقطع مصور أن ينتشر خلال دقائق، ويتحول إلى محتوى متداول يصعب احتواؤه أو محوه لاحقاً. وقد تصل الصور إلى أفراد الأسرة والأطفال قبل أن تتاح لهم فرصة استيعاب ما حدث، أو تتحول لحظات الحزن الخاصة إلى مشاهد متاحة للتعليق والتداول من أشخاص لا يعرفون أصحابها ولا يدركون حجم الأذى الذي قد يتسببون فيه.

إن المسؤولية الإعلامية لا تعني إخفاء الحقائق أو التستر على الأحداث، بل تعني تقديم المعلومات الضرورية للجمهور بطريقة مهنية تحترم الإنسان، وتوازن بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية والكرامة. فالخبر يمكن أن يُنقل بوضوح ودقة دون نشر صور صادمة، ويمكن توثيق الحادثة دون تحويل الضحايا إلى مشاهد عابرة على شاشات الهواتف، كما يمكن نقل مشاعر الحزن دون اقتحام خصوصية العائلات أو الضغط عليها للحصول على تصريح في لحظة لا تقوى فيها على الكلام.

وتقع على عاتق الصحفي والمؤسسة الإعلامية مسؤولية اتخاذ قرار النشر، لا الاكتفاء بالسؤال عن صحة الصورة أو المقطع. فالمهنية تقتضي التساؤل عن القيمة الإخبارية للمحتوى، ومدى ضرورته لفهم الحدث، والضرر المحتمل الذي قد يلحق بالضحايا وذويهم، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الغاية الصحفية بوسيلة أقل إيذاءً. كما أن الحصول على الصورة لا يعني تلقائياً امتلاك مبرر أخلاقي لنشرها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأشخاص في حالة صدمة أو عجز عن التعبير عن موافقتهم بحرية.

ولا تقل مسؤولية رؤساء التحرير ومديري المنصات أهمية عن مسؤولية المصورين والمراسلين؛ فقرارات النشر يجب أن تخضع لمعايير واضحة ترفض استغلال المآسي، وتحظر نشر المحتوى المهين أو غير الضروري، وتضع حماية الضحايا وخصوصية أسرهم ضمن أولويات العمل الإعلامي. كما ينبغي أن تشمل هذه المسؤولية الصور التي يعاد تداولها عبر الحسابات الشخصية وصفحات التواصل، إذ لا يفقد المحتوى حساسيته الإنسانية لمجرد انتقاله من مؤسسة إعلامية إلى مستخدم فردي.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى احترام الخصوصية إلى ذريعة لمنع التغطية المهنية أو حجب المعلومات التي تهم الرأي العام. فالإعلام المسؤول يظل مطالباً بكشف الحقائق، ومساءلة الجهات المعنية، وتوثيق الوقائع، لكن دون تشهير أو استغلال أو نشر تفاصيل لا تخدم المصلحة العامة. والفرق كبير بين صورة توثق حدثاً ضرورياً لفهم الحقيقة، وصورة تُنشر فقط لأنها صادمة وقادرة على استقطاب المشاهدات.

إن أخلاقيات الإعلام تظهر بوضوح حين يكون النشر سهلاً، لكن الامتناع عنه أكثر إنسانية. وتظهر حين يدرك الصحفي أن وراء كل اسم عائلة، ووراء كل ضحية حياة كاملة، ووراء كل مشهد مؤلم أشخاصاً سيواصلون العيش مع ذكراه وآثاره بعد أن ينتقل الجمهور إلى خبر آخر.

فالسبق الصحفي الحقيقي ليس في أن تكون أول من ينشر صورة موجعة، بل في أن تكون أول من ينقل الحقيقة بمسؤولية، ويحفظ كرامة الإنسان، ويضع حدوداً واضحة بين حق الجمهور في المعرفة وحق المتضررين في الحماية والاحترام.