التلاحم بين الأردنيين .. جدار الوطن المنيع في وجه الفتنة والتحديات

mainThumb
التلاحم بين الأردنيين.. جدار الوطن المنيع في وجه الفتنة والتحديات

26-10-2026 03:07 PM

printIcon
أخبار اليوم – تالا الفقيه

في الأردن، لا يُقاس تماسك المجتمع بالشعارات التي تُرفع في أوقات الاستقرار، بل بالمواقف التي تظهر في لحظات الشدة، حين يقف الأردني إلى جانب أخيه، وتتقدم قيم الأخوة والانتماء على كل خلاف، وتثبت الروابط الوطنية أن قوة الوطن الحقيقية تبدأ من وحدة أبنائه وتماسكهم.

لقد شكّل التلاحم بين الأردنيين، على اختلاف أصولهم ومناطقهم وانتماءاتهم، ركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار المملكة ومواجهة التحديات التي مرّت بها. فمن المدن إلى القرى والبوادي والمخيمات، بقيت قيم النخوة والتكافل والوقوف إلى جانب المحتاج والمكلوم جزءاً أصيلاً من الهوية الأردنية، ومظهراً يعكس عمق الروابط الاجتماعية التي تجمع أبناء الوطن.

ولا يظهر هذا التلاحم في المناسبات الوطنية وحدها، بل يتجلى بوضوح في أوقات الأزمات والمآسي، حين تتوحد مشاعر الأردنيين، وتتسع دوائر التضامن، وتتحول المصيبة التي تصيب فرداً أو عائلة إلى وجع يشعر به المجتمع بأكمله. ففي تلك اللحظات، تتراجع الحسابات الضيقة، ويبرز المعنى الحقيقي للانتماء؛ أن يشعر الإنسان بأن له سنداً، وأن وطنه ليس مجرد حدود جغرافية، بل مجتمع يقف أفراده معاً عندما تشتد الظروف.

وتزداد أهمية هذا التماسك في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من مخاطر أمنية وفكرية واجتماعية، فضلاً عن محاولات استغلال الأحداث المؤلمة لإثارة الانقسام أو تأجيج الخلافات بين أبناء المجتمع الواحد. وهنا تبرز مسؤولية الجميع في حماية النسيج الوطني، ورفض خطاب الكراهية والتحريض، وعدم السماح للشائعات أو المعلومات غير الموثوقة بأن تتحول إلى وقود للفتنة.

إن قوة المجتمع الأردني لا تعني غياب الاختلاف في الآراء أو المواقف، بل تعني القدرة على إدارة الاختلاف بروح المسؤولية والاحترام، والاحتكام إلى القانون، والحفاظ على الثوابت التي تجمع الأردنيين. فالتنوع الاجتماعي والثقافي لا ينبغي أن يكون مدخلاً للتفرقة، بل فرصة لتعزيز التعارف والتكامل وترسيخ المواطنة التي تضمن الحقوق والواجبات للجميع.

كما أن التلاحم الوطني مسؤولية لا تقع على عاتق المواطنين وحدهم؛ فالمؤسسات الرسمية والتعليمية والإعلامية مطالبة بدورها في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الثقة، ومواجهة الشائعات بالمعلومات الدقيقة، ونشر خطاب يقرّب المسافات ولا يوسّع الخلافات. ويؤدي الإعلام، على وجه الخصوص، دوراً محورياً في هذه المرحلة، إذ يمكن للكلمة المسؤولة أن تهدئ النفوس وتوضح الحقائق، كما يمكن للمعلومة غير الدقيقة أو العنوان التحريضي أن يفاقم التوتر ويؤذي المجتمع.

ومن هنا، فإن حماية الوحدة الوطنية تبدأ من السلوك اليومي للمواطن؛ من احترام الآخر، وعدم التعميم على جماعة بسبب تصرف فرد، والتحقق من الأخبار قبل تداولها، والابتعاد عن الإساءة والتحريض، والوقوف إلى جانب المتضررين دون تمييز. فالأوطان لا يحميها الوعي الأمني وحده، بل يحميها أيضاً وعي اجتماعي يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن التماسك لا يُصان بالشعارات، وإنما بالمواقف والممارسات.

ويبقى الأردن أقوى بتكاتف أبنائه، وبقدرتهم على تقديم المصلحة الوطنية على النزاعات الضيقة، والتمسك بقيم العدالة والتسامح والتكافل، والعمل معاً من أجل مستقبل آمن ومستقر. فكلما تعززت الثقة بين الأردنيين، وتقدمت لغة العقل والحوار على الانفعال، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة التحديات وحماية وحدته.