أخبار اليوم ـ تالا الفقيه - بقي أن يُطلب من أهل الفقيد إعادة المصافحة لأن اللقطة الأولى لم تكن واضحة. فبعض المعزّين يصل ومعه مصوّره الخاص؛ يوثّق الدخول والجلوس والسلام، ثم يغادر الضيف وقد أدى واجبين: مواساة أهل المتوفى، وطمأنة متابعيه إلى أنه لم يقصّر.
هكذا يتسلل «الريد كاربت» إلى بيت العزاء. الوجوه حزينة، والمناسبة موجعة، لكن ترتيبات الظهور حاضرة. صاحب المصاب يستقبل الناس، والمصوّر يبحث عن زاوية، والضيف يضمن أن حضوره سيصل إلى مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يصل إلى بيته.
في المجتمع الأردني، يعرف الناس معنى الوقوف مع المفجوع. قد تكون المواساة بكلمة، أو خدمة، أو جلوس صامت يخفف عن أهل البيت. وكان يكفي أن يعرف صاحب العزاء أنك حضرت. أما حين يصبح حضورك محتاجًا إلى إعلان، فثمة جمهور آخر تؤدي الواجب أمامه، وثمة غاية تزاحم الغاية التي جئت من أجلها.
وقال مختص في علم الاجتماع لـ«أخبار اليوم» إن الظاهرة تعكس انتقالًا نحو ثقافة الاستعراض الفردي، وتراجعًا في احترام الدلالات الاجتماعية للعزاء، موضحًا أن هذه المجالس تقوم على التضامن والتكافل والتواضع، فيما يُدخل التصوير المخصص للترويج الشخصي حسابات الظهور إلى مناسبة غايتها مواساة أهل الفقيد.
والأقسى أن أهل الفقيد قد يُضطرون إلى مجاراة المشهد. ليس لأنهم يريدون تصوير حزنهم، بل لأن ردّ ضيف ومعه مصوّره يحتاج إلى طاقة لا يملكونها، وربما إلى مواجهة اجتماعية هم في غنى عنها. فيسكتون، ويُلتقط المشهد، ثم تُنشر الصور باعتبار أن أحدًا لم يعترض.
بهذا المعنى، تتحول المجاملة إلى منفذ للاستعراض. من جاء لجبر الخاطر يضع صاحب الخاطر أمام حرج جديد: إما أن يقبل الكاميرا، وإما أن يخشى تأويل رفضه إساءةً إلى الضيف ومكانته.
وعبّر مواطنون لـ«أخبار اليوم» عن استيائهم من اصطحاب المصوّرين إلى بيوت العزاء، معتبرين أن هذه المظاهر تخلق توترًا وإزعاجًا لأهل المصاب، وتزاحم السكينة التي يحتاجون إليها. وأكدوا أن قيمة التعزية في صدق المواساة واحترام مشاعر الأسرة، لا في عدد الصور المنشورة للمعزّي.
واجتماعيًا، يبدّل هذا السلوك مركز المناسبة. بدل أن يجتمع الناس حول الأسرة المفجوعة، تنتقل الأنظار إلى الزائر؛ من حضر، ومن صافح، وأين جلس، ومن ظهر إلى جانبه. ويصبح بيت العزاء، بكل ما فيه من وجع، خلفية مناسبة لإثبات العلاقات والوجاهة.
ومن هنا تأتي المقارنة بمشاهد بعض جنازات المشاهير وعزاءاتهم في مصر، حيث يتزاحم المصوّرون وتختلط حركة الحراس بحركة المعزّين. لكن استعارة هذا المشهد إلى مناسباتنا لا تمنح الضيف نجومية إضافية؛ إنها تحمّل أهل المصاب كلفة استعراضه.
وأوضح باحث في الشؤون الإسلامية لـ«أخبار اليوم» أن التعزية تقوم على السكينة والوقار والتخفيف عن أهل المتوفى، مشددًا على أن استغلال المآتم للترويج الشخصي أو جمع المتابعين يتعارض مع غايتها، ويؤذي مشاعر الأسرة في وقت تحتاج فيه إلى المساندة والاحترام.
وللمواساة ميزان أخلاقي واضح: أن تخفف عن الناس. فإذا صار حضورك يربكهم، ومصوّرك يلاحقهم، وصورك تعرض لحظاتهم الموجعة أمام جمهور لم يختاروه، فعليك أن تسأل عمّا قدمته لهم فعلًا، خارج المنشور الذي قدمته لنفسك.
أما أثر هذه الممارسة فلا يتوقف عند أصحابها. حين تتكرر صور أداء الواجب، قد يُصبح الحضور الصامت كأنه غياب، ويتحول الوفاء إلى مسابقة إثبات. عندها يُظلم من وقف مع الأسرة بعيدًا عن العدسات، بينما يتصدر المشهد من أحسن ترتيب زيارته وتصويرها.
وأكدت ناشطة اجتماعية لـ«أخبار اليوم» أهمية الرفض المجتمعي لهذه السلوكيات، معتبرة أن استنساخ المظاهر الاستعراضية داخل بيوت العزاء يسيء إلى قيم التكافل والاحترام المتبادل، ويفرض على الأسر المفجوعة أعباء إضافية بدل التخفيف عنها.
ليس مطلوبًا من الأردنيين أن يضيفوا إلى أعباء العزاء بروتوكولًا لاستقبال المصوّرين المرافقين. والموقف الاجتماعي الواضح يبدأ ممن يملكون التأثير: أن يذهبوا دون عدسات خاصة، وأن يحترموا غاية الزيارة، وأن يتركوا للبيوت المكلومة حقها في السكينة.
المكانة التي تستحق الاحترام تظهر في مقدار ما يقدمه صاحبها للناس، خصوصًا حين يكونون عاجزين عن رد الجميل. أما أن يحتاج إلى حزنهم ليُحسن صورته، فتلك خسارة في معنى الوجاهة، مهما كانت الصورة متقنة.
بيت العزاء ليس سجادة حمراء، وأهل الفقيد ليسوا جمهور استقبال. ومن لم يطمئن إلى قيمة واجبه إلا بعد نشره، فمشكلته مع صورته بين الناس؛ لا يجوز أن يدفع المفجوعون ثمنها.