وصفي كَبُرَ عاماً أخر …………….
وصفي لم ندفنه في قبر وإنما زرعناه
ليكبُر عاماً بعد عام ، سنديانة ما زلنا نستظل ظلها ،
هناك رجالٌ يولدون ثم يمضون…
وهناك رجالٌ يولدون ثم يبقون،
يبقون رغم أن التراب احتضن أجسادهم،
يبقون لأنهم عاشوا للناس… وماتوا من أجل الوطن.
ووصفي التل واحد من أولئك الذين لا يغيبون.
لأن وصفي لم يكن مسؤولًا… كان حكاية وطن
حين يتذكّر الأردنيون وصفي التل، هم لا يستعيدون رئيس وزراء،
بل يستعيدون رجلاً يشبههم:
يشبه الفلاح الذي يستيقظ قبل الشمس،
ويشبه الجندي الذي يقف على الحدود،
كان مدرساً يقف أمام تلاميذه يعلمهم حب الوطن ومعنى الأنتماء،كان يعيش مثلهم… ويتعب مثلهم… ويحلم مثلهم.
لأن صوته كان صوتنا
لم يكن يخطب من وراء زجاج مضاد للرصاص،
كان يقف بين الناس،
بين تراب القرى ورائحة القهوة،
ويقول لهم:
“الأردن لن ينكسر… طالما فيه رجال.”
وكانوا يصدقونه لأنهم رأوه يمشي وحده بلا خوف،
ويركب سيارته القديمة دون موكب،
ويعود إلى بيته المتواضع دون أن يغيّر قلبه أو مواقفه.
لأن قلبه كان أنقى من المناصب
لم يعرف قصورًا،
ولا جمع ثروة،
ولا أعطى نفسه أكثر مما أعطى الأردن.
وحين رحل، ترك وراءه سيرة أنظف من يد طفل.
لذلك أحبّه الناس…
ولذلك بكوه…
ولذلك لا يزالون حتى اليوم يقولون:
“الله يرحم وصفي.”
لأن اغتياله كان اغتيالًا للحلم
في ذلك اليوم البارد من تشرين الثاني عام 1971،
لم يُغتل رجلٌ فقط،
بل اغتيل حُلم في قلوب الأردنيين…
أمنية أن يقودهم شخص يشبههم،
ويحمل وجعهم،
ويضع الوطن فوق الصدور لا فوق الورق.
ومنذ تلك اللحظة،
صار اسم وصفي التل وسماً ،جُرحاً يُذكّرنا بأن الوطن يستحق الرجال الكبار.
لأنه صار رمزًا… والرموز لا تموت
اليوم، حين يذكر الأردنيون وصفي،
فهم لا يذكرون تاريخًا أو كتابًا أو صورة.
إنهم يذكرون حنينًا،
ورجولة،
وموقفًا لا يباع ولا يشترى.
ويذكرون أن الأردن كان يمكن أن يصبح شيئًا آخر…
لو عاش وصفي أكثر.
تبقى ذكرى وصفي التل لأن الأردنيين ما زالوا يبحثون عنه في كل الرجال،
ولأنهم كلما تعبوا من أحوال البلاد،
رفعوا رؤوسهم إلى السماء وقالوا:
“رحمك الله يا وصفي… كنت وما زلت الحلم الذي لم يكتمل.
(النائب السابق د. محمد زريقات )