أخبار اليوم – عواد الفالح - نعم، هناك اختلالات حقيقية وواضحة في منظومة التقاعد بين الموظفين المتقاعدين منذ سنوات والمتقاعدين حديثًا، حتى عندما يكون الحديث عن ذات المنصب وذات الدرجة الوظيفية. هذا الأمر لم يعد خافيًا في الأردن، وتحول مع الوقت إلى قضية اجتماعية واقتصادية تمس شريحة واسعة من المتقاعدين القدامى الذين يشعرون اليوم بأن العدالة لم تكن حاضرة عند احتساب تقاعدهم.
القضية تبدأ من اختلاف أنظمة التقاعد عبر السنوات. فالمتقاعدون القدامى خرجوا وفق قوانين ومعادلات احتساب أقل إنصافًا، اعتمدت على رواتب أساسية أدنى، وبدون احتساب فعلي لكثير من العلاوات والمكتسبات التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الراتب الخاضع للتقاعد. في المقابل، جاء النظام الأحدث أكثر مرونة وشمولًا، ما أدى إلى فروقات كبيرة في قيمة الرواتب التقاعدية، رغم تطابق الدرجة والمسمى الوظيفي وسنوات الخدمة أحيانًا.
عدد من المتقاعدين القدامى يرون أن المشكلة لا تتعلق بالمقارنة من باب الحسد أو الاعتراض على تحسين أوضاع غيرهم، بل تتعلق بمبدأ العدالة ذاته. فالموظف الذي شغل موقعًا قياديًا أو درجة عليا قبل عشر أو خمس عشرة سنة، يجد نفسه اليوم يتقاضى تقاعدًا أقل بكثير من زميل له خرج حديثًا من الوظيفة ذاتها، مع أن المسؤوليات كانت واحدة، ومتطلبات الحياة اليوم أكثر قسوة وتعقيدًا مما كانت عليه سابقًا.
أحد المتقاعدين يقول إن التقاعد الذي قُبل به في ذلك الوقت كان أشبه بالأمر الواقع، لم تكن هناك خيارات حقيقية، ولم يكن النقاش حول العدالة التقاعدية مطروحًا كما هو اليوم. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار الدواء، ومتطلبات الأسرة، أصبح هذا التقاعد غير قادر على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، حتى بعد الزيادات التي طُبقت لاحقًا، والتي يصفها كثيرون بأنها زيادات شكلية لم تلامس جوهر المشكلة.
اللافت أن الاحتياجات الإنسانية والمعيشية لم تتغير بين متقاعد قديم وآخر جديد. كلاهما يواجه التزامات أسرية، وتكاليف صحية متزايدة، وضغوطًا معيشية واحدة. لكن الفارق أن أحدهما يحصل على تقاعد يعكس موقعه الوظيفي السابق، بينما الآخر يشعر أن سنوات خدمته الطويلة انتهت براتب لا يليق بحجم المسؤولية ولا بتاريخ العمل.
اقتصاديًا، ينعكس هذا الخلل على نوعية حياة المتقاعدين القدامى، وعلى قدرتهم على المشاركة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، بل ويدفع بعضهم إلى البحث عن أعمال إضافية في سن متقدمة لتغطية احتياجات أساسية. اجتماعيًا، يولد شعورًا متناميًا بالغبن وعدم المساواة، ويضعف الثقة بفكرة أن الخدمة العامة تضمن كرامة ما بعد التقاعد.
المطلوب اليوم، وفق آراء متقاعدين وخبراء اجتماعيين، ليس إلغاء الفروقات دفعة واحدة، بل إعادة النظر بشكل جاد في آلية تصويب أوضاع المتقاعدين القدامى، وربط التقاعد بمؤشرات معيشية حقيقية، وليس فقط بنسب زيادة عامة لا تراعي الفجوة العميقة القائمة. كما أن فتح نقاش وطني صريح حول العدالة التقاعدية أصبح ضرورة، لا ترفًا، لأن التقاعد في جوهره عقد اجتماعي بين الدولة وموظفيها، يفترض أن يقوم على الإنصاف لا على اختلاف التواريخ.