سهم محمد العبادي
يطلع علينا بين وقتٍ وآخر مسؤول سابق، أو حاضر، أو شيء بين الاثنين، يتذكّر فجأة أن الأردنيين بحاجة إلى محاضرة في الوطنية. يقف بثقة الخطيب، ويرفع سبابته قليلًا، ويطلب من الناس أن “يدافعوا عن الوطن”، وأن “يعودوا إلى التاريخ”، وكأن هذا الشعب نسي اسمه، أو كأن الأرض استيقظت يومًا بلا أصحابها.
الغريب أن التاريخ الذي يطلبون منا العودة إليه، محفوظ في ذاكرة الناس أكثر مما هو محفوظ في أرشيف الدولة. الأردني لم يكن يومًا متفرجًا، ولم يجلس في الصف الخلفي حين اقترب الخطر. كان دائمًا في المقدمة؛ مرة ببندقية، ومرة بصبر، ومرة ببيتٍ فتح بابه للفقد ولم يشتكِ. هذا شعب لم يحتج شهادة حسن سلوك في وطنيته، لأن امتحانه كان دائمًا ميدانيًا.
المشكلة لا تبدأ عند الدعوة ذاتها، بل عند نبرتها. حين تأتي من فوق، محمّلة بروح الوصاية، كأن المتحدث وحده حارس الأسوار، وكأن الناس بحاجة إلى من يذكّرهم بأنهم أهل هذا المكان. هنا يتحول الكلام من تحفيز إلى تنظير، ومن ثقة إلى شك مبطّن، ويخرج المواطن وهو يشعر أن التهمة جاهزة، وأن المشكلة فيه، لا في السياسات التي أوصلته إلى هذا التعب.
الأردني وفيّ، وهذه ليست جملة إنشائية. الوفاء عنده ليس هتافًا ولا منشورًا موسميًا، هو ممارسة يومية، صبر على الغلاء، احتمال للضيق، التزام رغم القسوة. الانتماء عنده فعل صامت، لا يحتاج مكبّر صوت.
لهذا، من الحكمة أن يستريح بعض أصحاب المناصب قليلًا، وأن “يركوا ربابتهم”. الأردني لا يحتاج من يعزف له على وتر الوطنية، ولا من يختبر صدقه. ما يثقله اليوم أبسط وأقسى في الوقت نفسه.
الخبز صار همًا، ونهاية الشهر صارت موعد قلق. البطالة تدخل البيوت بلا استئذان، والفواتير تجلس على الطاولة كضيوف دائمين. راتب للكهرباء، وآخر للماء، وثالث للإيجار، والعيش صار معركة حسابات، لا قصيدة حماسية.
الكلام الكبير يمرّ فوق هذا المشهد كأنه لا يراه. الوطن، يا سادة، لا يُحمى بالخطب وحدها. يُحمى حين يشعر الناس أن كرامتهم مصانة، وأن حياتهم ممكنة، وأن التعب الذي يحملونه مفهوم، لا مُدان.
الأردني يعرف طريقه جيدًا. وحين يحتاجه الوطن، سيجده حيث كان دائمًا، من غير دعوة، ولا تذكير. المطلوب اليوم أقل خطب، وأكثر فهم. تخفيف الحمل، لا زيادته. الإصغاء للوجع، لا محاضرته.