قراءة في عمق المباحثات الأمريكية ، الإيرانية وانقسام القرار داخل واشنطن
في لحظات التحول الكبرى في السياسة الدولية، لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستقع الحرب أم لا؟ بل: أي نوع من السلام يُراد فرضه؟ وهل هو سلام يقوم على التفاهم وتوازن المصالح، أم سلام يُنتزع بالقوة ويُشبه في جوهره استسلام الطرف الأضعف؟ هذا السؤال تحديدًا يختصر جوهر ما يدور اليوم خلف الكواليس في المباحثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، ويكشف عمق الانقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها.
أولًا: واشنطن بين مدرستين… الردع أم الحسم؟
الخطأ الشائع في قراءة الموقف الأمريكي هو افتراض وجود قرار موحّد، الواقع أكثر تعقيدًا. داخل واشنطن اليوم مدرستان واضحتان:
المدرسة الأولى ترى أن الهدف الأساسي هو فرض السلام بالقوة؛ أي استخدام التفوق العسكري والضغط الاقتصادي والعزلة السياسية كرافعة تفاوضية، لا كبديل عن التفاوض. أصحاب هذا التوجه يعتقدون أن الحرب الشاملة مع إيران ستكون مكلفة، طويلة، وغير مضمونة النتائج، وأن أقصى ما يمكن تحقيقه هو ضبط السلوك الإيراني، لا كسره. هؤلاء يدفعون باتجاه مفاوضات غير مباشرة، وضبط الإيقاع، ومنع الانفجار الكبير، خصوصًا في ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات دولية أخرى.
في المقابل، هناك مدرسة ثانية أكثر تشددًا، ترى أن ما جُرّب مع إيران خلال العقدين الماضيين لم ينجح. من وجهة نظرها، طهران لا تفهم إلا لغة القوة، وأن أي تفاوض لا يُسند بتهديد حقيقي وجاهز للتنفيذ لن يؤدي إلا إلى مزيد من الوقت الضائع. هذه المدرسة لا تتحدث عن “سلام”، بل عن فرض الاستسلام بالقوة: إما قبول الشروط الأمريكية كاملة، أو مواجهة ضربة قاسية تعيد إيران سنوات إلى الوراء.
هذا الانقسام هو ما يجعل السياسة الأمريكية تبدو أحيانًا متناقضة : رسائل تهدئة من جهة، وحشود عسكرية وتهديدات مبطنة من جهة أخرى ، وهذا يربك الادارة الامريكية اصدار قرار حاسم واضح بالحرب .
ثانيًا: لماذا مسقط؟ ولماذا الآن؟
اختيار مسقط كمسرح للمباحثات لم يكن تفصيلًا تقنيًا , مسقط تمثل تقليدًا طويلًا من الوساطة الهادئة، بعيدًا عن الأضواء، وبعيدًا عن الاستقطاب الحاد. هنا لا تُتخذ قرارات كبرى، بل تُختبر النوايا، وتُرسم حدود الممكن.
التوقيت أيضًا بالغ الدلالة , المنطقة تقف على حافة توتر متعدد الجبهات، من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، وأي خطأ حسابي قد يشعل سلسلة تفاعلات لا يمكن السيطرة عليها. لذلك، فإن المباحثات الحالية لا تهدف إلى إنتاج اتفاق تاريخي، بل إلى منع الانهيار، وإدارة الصراع ضمن سقوف مقبولة مؤقتًا.
ثالثًا: الحسابات الإيرانية… الصبر بدل الانحناء
على الضفة المقابلة، تدخل إيران هذه المباحثات وهي تدرك أن المطلوب منها ليس تنازلًا تقنيًا، بل تغيير في السلوك الاستراتيجي , لذلك، فإنها تتعامل مع الحوار بوصفه أداة لإدارة الوقت، لا بوابة للاستسلام.
إيران ترى أن القبول بشروط تُفرغ برنامجها النووي من مضمونه، أو تربطه بملفات إقليمية وصاروخية، يعني عمليًا الاعتراف بالهزيمة السياسية , وهذا خط أحمر بالنسبة لها، داخليًا وإقليميًا.
لذلك تعتمد طهران استراتيجية “الصبر المحسوب”: لا انسحاب من المفاوضات، ولا تقديم تنازلات جوهرية، مع الحفاظ على أوراق ضغط غير مباشرة في الإقليم ,
من وجهة النظر الإيرانية، التفاوض لا يعني الخضوع، بل تثبيت معادلة: لا حرب شاملة، ولا استسلام. وهذه المعادلة هي ما تراهن عليه القيادة الإيرانية حاليًا , والتي طالبت أول ما طالبت برفع العقوبات من اجل بيان نوايا حسنة لبدء المفاوضات غداً او بعد غد وهذه بداية ما يسمى ( طلب مقابل طلب ) ( وتنازل مقابل تنازل ) .
رابعًا: إسرائيل… عامل الضغط الدائم
لا يمكن فهم هذا المشهد دون الإشارة إلى الدور الإسرائيلي. إسرائيل ترى في أي تهدئة مع إيران خطرًا استراتيجيًا. من منظورها، الوقت يعمل لصالح طهران، وأي مسار تفاوضي يمنحها فرصة لتعزيز قدراتها، سواء النووية أو الإقليمية.
لذلك تمارس إسرائيل ضغطًا مستمرًا على واشنطن لدفعها نحو خيار الحسم، أو على الأقل إبقاء التهديد العسكري حاضرًا بقوة. هذا الضغط يفسّر جزئيًا التصعيد في الخطاب، والتلويح الدائم بخيارات عسكرية، حتى في ذروة الحديث عن التفاوض.
خامسًا: الجولة الثانية… ماذا تعني؟
الحديث عن جولة ثانية من المباحثات لا يعني اختراقًا، بل العكس. هو مؤشر على أن الطرفين لم يصلا إلى حائط مسدود، لكنهما أيضًا لم يقتربا من حل. الجولة الثانية، إن عُقدت، ستكون جولة إعادة تموضع: كل طرف سيختبر مدى صلابة موقف الآخر، وحدود استعداده للتصعيد أو التراجع.
واشنطن ستسعى لمعرفة: هل يمكن لإيران أن تقبل بتقييد فعلي طويل الأمد؟
وطهران ستسأل: هل التهديد الأمريكي حقيقي أم مجرد ورقة ضغط؟
سادسًا: لا سلام ولا استسلام… بل إدارة حافة الهاوية
الخلاصة الأهم أن ما يجري اليوم ليس مسار سلام تقليدي، ولا استعدادًا فوريًا للحرب ، نحن أمام حالة إدارة حافة الهاوية ، الولايات المتحدة تحاول فرض “سلام بالقوة” يضبط السلوك الإيراني دون الانجرار إلى حرب ، وإيران تحاول تفادي “الاستسلام بالقوة” دون استفزاز حرب شاملة.
لكن هذه المعادلة هشة بطبيعتها ، أي سوء تقدير، أو ضربة غير محسوبة، أو تغير مفاجئ في موازين القوى، قد يحوّل هذا التوازن المؤقت إلى انفجار واسع ، وسياسة الفوضى المنظمة التي ينتهجها كل من ترامب ونتنياهو ، لم تعد تجدي نفعاً ، نتنياهو الذي اصبح عنصراً بارزاً في السياسة الخارجية الأمريكية..
السؤال الحقيقي ليس: هل ستنجح المباحثات؟
بل: هل يمكن فرض سلام دون عدالة، أو ردع دون انفجار، أو ضغط دون كسر؟
حتى الآن، يبدو أن الجميع يفضّل السير على الحافة، لا القفز منها. لكن التاريخ علّمنا أن اللعب الطويل على حافة الهاوية لا ينتهي دائمًا كما يُخطط له.
صالح الشرّاب العبّادي
كاتب ومحلل شؤون سياسية وعسكرية