العبادي يكتب: ايران .. امريكا وإسرائيل .. التفاوض تحت الضغط ام التفاوض تحت النار

mainThumb
العبادي يكتب: ايران .. امريكا وإسرائيل.. التفاوض تحت الضغط ام التفاوض تحت النار

03-02-2026 01:57 PM

printIcon

صالح الشرّاب العبادي

تتقدّم المفاوضات الأمريكية–الإيرانية هذه الأيام بخطوات بطيئة، لكنها لا تجري في بيئة طبيعية، بل في مناخ مشحون بالاستعداد العسكري والتصعيد السياسي، ما يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة مؤقتة، لا إلى مسار حقيقي للحل.

ففي الوقت الذي تعلن فيه طهران استعدادها لتعليق أو حتى إغلاق برنامجها النووي، وتبدي قبولًا بمقترح أمريكي سابق يقوم على إنشاء تكتل إقليمي لإنتاج الطاقة النووية، تواصل واشنطن في المقابل تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وإرسال رسائل قوة واضحة لا يمكن فصلها عن طاولة التفاوض.

هنا نحن أمام مبدأ أمريكي معروف:
التفاوض تحت الضغط…
لكن السؤال المطروح اليوم:
هل ما زلنا عند هذا الحد؟ أم أننا ننتقل تدريجيًا إلى التفاوض تحت النار؟

اللافت في هذا المشهد أن المسار الدبلوماسي لا يسير بمعزل عن المسار العسكري، بل يتحركان معًا وبالتوازي. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن رغبته في التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنه في الوقت ذاته يطلب من مؤسساته الأمنية إعداد خيارات لضربة عسكرية سريعة وحاسمة.

هذه ليست ازدواجية، بل فلسفة واضحة في عقل ترامب السياسي، تقوم على ما يسميه هو “السلام بالقوة”.
أي فرض الحل السياسي من موقع التهديد، لا من موقع التفاهم المتكافئ.

هذه المقاربة لا تعني بالضرورة أن الحرب قرار محسوم، لكنها أيضًا لا تستبعدها، بل تُبقيها حاضرة كورقة ضغط قصوى لفرض شروط سياسية قاسية على الطرف الآخر.

زيارة المبعوث الأمريكي إلى إسرائيل ولقاؤه برئيس الوزراء هناك تكشف جانبًا إضافيًا من المشهد. واشنطن لا تريد فقط التفاوض مع إيران، بل تريد أن تضمن أن أي مسار تفاوضي لا يصطدم مباشرة بالموقف الإسرائيلي.

إسرائيل تنظر إلى الملف من زاوية مختلفة:
أي اتفاق لا يتضمن تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني، ولا يوقف دعم طهران لأذرعها الإقليمية، هو اتفاق ناقص، بل خطر مباشر على أمنها القومي.

وهنا نصل إلى العقدة الحقيقية في هذه الأزمة.
الشروط الأمريكية المطروحة لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد إلى جوهر القوة الإيرانية نفسها:
البرنامج الصاروخي، النفوذ الإقليمي، وحتى تفريغ اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، يُحتمل أن تكون روسيا.

قبول إيران بهذه الشروط لا يعني تنازلًا تقنيًا يمكن تسويقه داخليًا، بل مساسًا مباشرًا بشرعية النظام الإيراني أمام شعبه.
ولهذا تصف طهران هذه المطالب بأنها شروط تعجيزية، لأن تمريرها سياسيًا في الداخل الإيراني يكاد يكون مستحيلًا دون اهتزاز عميق في بنية النظام.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الضغط العسكري عن الضغط الاقتصادي والسياسي الأوروبي.
عقوبات بريطانية إضافية، وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، كلها أدوات تُستخدم ضمن استراتيجية أوسع.

الهدف هنا ليس إسقاط النظام الإيراني بضربة واحدة، بل دفعه إلى حالة إنهاك طويلة، تُضعف قدرته على الصمود داخليًا، وتقلّص هامش مناورة إقليميًا.

المنطقة تقف اليوم عند مفترق شديد الحساسية.
مفاوضات تُستخدم لكسب الوقت وتحسين الشروط،
وحشد عسكري يُستخدم إما للردع… أو للتمهيد.

الحرب لم تُتخذ قرارًا نهائيًا بعد، لكنها أيضًا لم تُستبعد.
والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستقع المواجهة؟
بل: متى، وبأي شكل، وهل تنجح الدبلوماسية في تأجيلها…
أم تتحول إلى مجرد غطاء سياسي لها؟

الصورة العامة تتغير من لحظة إلى أخرى.
تارة ترتفع احتمالات الضربة الحاسمة،
وتارة ترتفع فرص التفاوض.

وفي داخل القرار الأمريكي نفسه، هناك رؤيتان:
إحداهما ترى أن إيران اليوم في أضعف حالاتها، وأن الفرصة سانحة لضربة مدروسة لا تتوسع.
والأخرى ترى أن فرض الشروط بالقوة، دون حرب شاملة، قد يحقق الأهداف الأمريكية ويجنب المنطقة والعالم سيناريوهات كارثية.

بين هاتين الرؤيتين…
يبقى الشرق الأوسط معلقًا على خيط رفيع،
بين التفاوض… والاستعداد للحرب.