اخبار اليوم - لا تطلب أم يحيى النجار أكثر من ليلةٍ عادية ينام فيها أطفالها دون خوفٍ أو مرضٍ أو رائحة نفايات. في بقعةٍ ضيقة خلف مبنى وزارة العمل وسط مدينة غزة، تحاول هذه الأم أن تحرس ما تبقى من طفولة أبنائها داخل خيمةٍ مهترئة، في حين تحاصر المكان أكوام القمامة وروائحها الخانقة من كل اتجاه، لتتحول الحياة اليومية إلى معركة صامتة من أجل البقاء.
تعيش العائلة المكوّنة من سبعة أفراد ظروفًا إنسانية قاسية لا تليق بالبشر، إذ تنتشر القوارض قرب مدخل الخيمة، وتتجمع المياه الملوثة مع كل تسربٍ للصرف الصحي، بينما يواصل الأطفال الإصابة بالأمراض التنفسية والالتهابات نتيجة استنشاق الروائح السامة وضعف المناعة.
تقول الأم بصوتٍ متعب لصحيفة "فلسطين" إن أكثر ما يؤلمها ليس فقدان المنزل، بل رؤية أطفالها يمرضون واحدًا تلو الآخر داخل بيئةٍ فُرضت عليهم قسرًا.
وتوضح أن هذه الخيمة لم تكن خيارًا، بل المحطة الأخيرة في رحلة نزوحٍ طويلة بدأت في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين غادرت العائلة منزلها في تل الزعتر شرق بيت حانون تحت القصف، لتبدأ بعدها رحلة تنقلٍ قسري تكررت أكثر من عشرين مرة خلال عامين بحثًا عن مكانٍ آمن لم تجده.
تنقلت الأسرة بين مدارس ومراكز إيواء ومستشفيات، ظنّت في كل مرة أنها بلغت الملاذ الأخير، قبل أن يلاحقها الخوف مجددًا.
وتستعيد أم يحيى أيام اللجوء إلى المستشفى الإندونيسي وإحدى مدارس وكالة الغوث، حيث عاش أطفالها لحظات رعبٍ متواصلة تحت أصوات القصف، تاركةً آثارًا نفسية ما زالت تلازمهم حتى اليوم.
وكانت الضربة الأقسى حين أصيب ثلاثة من أبنائها خلال الحرب، أحدهم إصابة خطيرة في البطن كادت تودي بحياته، لتعيش الأم أيامًا طويلة بين الدعاء والخوف قبل أن تستقر حالته نسبيًا، لكنه ما يزال بحاجةٍ إلى متابعةٍ علاجية تعجز عن توفيرها بانتظام.
وخلال فترات المجاعة، رفضت مغادرة شمال القطاع خوفًا من الضياع في نزوحٍ جديد، لكنها اضطرت لاحقًا للانتقال جنوبًا أيامًا قليلة تحت ضغط الجوع والخطر، قبل أن تعود إلى مدينة غزة لتفقد المكان الذي كانت تؤوي إليه، فلا تجد سوى هذه الخيمة القماشية مأوى أخيرًا.
داخل الخيمة الصغيرة، تحاول الأم صناعة شكلٍ بدائي من الحياة: تكدّس الأغطية القديمة لتصنع فرشًا ينام عليه الأطفال، وتغلق أطراف الخيمة كلما هطل المطر، لكن المياه كثيرًا ما تتسلل إلى الداخل، فيستيقظ الصغار على البلل والبرد، وتبدأ معاناة ليلةٍ جديدة.
ورغم قسوة المشهد، لا تطلب أم يحيى سوى الحد الأدنى: خيمة متينة، مكان نظيف بعيد عن النفايات، بعض الفرشات والأغطية والملابس التي تقي أطفالها برد الشتاء.
تنظر إلى صغارها وتقول: "أكبر حلمي الآن أن يناموا ليلة واحدة دون خوف أو مرض أو رائحة نفايات… فقط ليلة عادية مثل باقي أطفال العالم".
ورغم التعب الواضح على ملامحها، ما تزال تتمسك بالأمل، مؤمنةً بأن نهاية رحلة النزوح الطويلة ستأتي يومًا، وأن أطفالها الذين كبروا بين الخوف والتنقل سيحصلون أخيرًا على فرصةٍ لحياةٍ أبسط وأكثر أمانًا… حياةٍ لا يبدأ صباحها بمعركةٍ جديدة من أجل البقاء.
فلسطين أون لاين