غياب الأجهزة الطبية يحرم مرضى غزة من التشخيص

mainThumb
غياب الأجهزة الطبية يحرم مرضى غزة من التشخيص

09-02-2026 09:35 AM

printIcon

أخبار اليوم - لم يعد الوصول إلى التشخيص الطبي في قطاع غزة إجراءً روتينيًا، بل تحوّل إلى رحلة انتظار طويلة قد تمتد لأسابيع وربما أشهر، مع الدمار الواسع الذي طال أجهزة الأشعة، والنقص الحاد في الكوادر الصحية، والضغط الهائل على ما تبقّى من منظومة صحية منهكة بفعل الحرب.

في المستشفيات القليلة العاملة، تتكدّس طلبات التصوير الطبي، في حين يعيش المرضى على مسكنات مؤقتة، أو دون علاج، بانتظار صورة أشعة قد تحدد مسار حياتهم الصحية.

أفنان عجور (38 عامًا) واحدة من هؤلاء المرضى. فعلى مدار عامين عانت من أوجاع مستمرة في يدها اليمنى، تبدأ بتنميل وسخونة في الأصابع، وتصل إلى ألم حاد يشلّ حركتها، ويمنعها من النوم ليلًا ويحول دون قيامها بأعمالها المنزلية اليومية. تقول أفنان إن أي مجهود بسيط كان كفيلًا بإعادة الألم من جديد، دون أن تُجدي المسكنات نفعًا.


وبعد مراجعة الطبيب، ونظرًا لتعقيد حالتها وتاريخها المرضي الممتد لأكثر من 11 عامًا، طُلب منها إجراء تخطيط لأعصاب اليد. توجهت فورًا إلى مستشفى الوفاء في غزة، لكنها فوجئت بطابور طويل وقائمة انتظار تمتد لنحو شهر ونصف قبل أن تتمكن من إجراء الفحص.

وتقول: «تحمّلت الألم الذي يقلق نومي، ولا يوجد بديل. قبل الحرب كنت أجري هذه الفحوصات مباشرة دون انتظار»، مؤكدة أنها ما تزال تعيش على أمل أن يحدد الفحص سبب معاناتها الطويلة.

صورة أشعة تتحكم في العلاج

أما علي حسونة (43 عامًا) من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، فتعود معاناته إلى إصابة في الظهر والقدم اليمنى ألمّت به قبل الحرب بأشهر قليلة. وخلال الحرب لم يتمكن من إجراء أي كشف طبي أو علاج طبيعي بسبب تدمير المستشفيات والعديد من العيادات والمراكز الطبية، ما أدى إلى تفاقم حالته الصحية حتى بات غير قادر على الحركة أو السير بشكل طبيعي.

وقبل نحو شهرين، ومع تصاعد الألم، طلب منه الطبيب إجراء صورة أشعة مقطعية للعمود الفقري. توجه إلى مستشفى الأهلي العربي، لكنه فوجئ بضرورة الانتظار قرابة شهر حتى يحين دوره.


ويقول علي لصحية «فلسطين» إنه عاد إلى الطبيب طالبًا مسكنًا يمكنه من العمل وإعالة أسرته، إلا أن الطبيب رفض، موضحًا أن صرف المسكنات القوية مرتبط بنتيجة الأشعة وتصريح طبي خاص من وزارة الصحة.

واليوم ينتظر علي إجراء الأشعة المقطعية بفارغ الصبر، على أمل الوصول إلى تشخيص واضح وعلاج مناسب، في ظل النقص الشديد في الأدوية، ولا سيما المسكنات القوية.

ولا تختلف معاناة محمود صيام (55 عامًا)، الذي يعاني من آلام في الصدر وضيق في التنفس، إذ طُلب منه إجراء فحوصات أشعة تشخيصية لاستبعاد مشكلات قلبية ورئوية، لكن نقص الأجهزة وتكدّس المرضى أجبره على الانتظار أسابيع طويلة للحصول على فحص أولي.

ويقول: «كل يوم أشعر أن المرض يتقدم، ولا أملك سوى الانتظار»، معربًا عن خشيته من أن يتحول تأخير التشخيص إلى خطر حقيقي يهدد حياته، في ظل غياب البدائل وعدم قدرته على السفر للعلاج خارج القطاع.

واقع صحي صعب

ووفقًا لمدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة في غزة، زاهر الوحيدي، فإن أجهزة التشخيص، وعلى رأسها أجهزة الأشعة، كانت من أكثر المرافق الصحية تضررًا خلال الحرب، ما انعكس مباشرة على حياة آلاف المرضى الذين باتوا ينتظرون أسابيع وربما أشهر للحصول على فحص قد يحدد مسار علاجهم أو ينقذ حياتهم.

ويوضح الوحيدي، لـ«فلسطين»، أنه قبل الحرب كان في قطاع غزة 17 جهاز أشعة مقطعية (CT) تخدم نحو 2.3 مليون مواطن، وهو عدد لم يكن كافيًا أصلًا. أما اليوم فلم يتبقَّ سوى ستة أجهزة بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي 11 جهازًا داخل المستشفيات العاملة.


مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة في غزة زاهر الوحيدي

وتخدم هذه الأجهزة الستة أكثر من 2.1 مليون مواطن، وتعمل تحت ضغط هائل يهدد بتلفها الكامل، في ظل غياب قطع الغيار والصيانة والاستخدام المفرط الذي يفوق قدرتها التشغيلية، إذ يفترض ألا يتجاوز عدد الصور اليومية للجهاز الواحد 200 إلى 300 صورة، بينما تُجرى مئات الصور، وقد تصل إلى نحو ألف صورة يوميًا على بعض الأجهزة.

أما أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI)، فيؤكد الوحيدي أنه كان في غزة سبعة أجهزة قبل الحرب، أما اليوم فلا يوجد أي جهاز في كامل القطاع، ما يعطل تشخيص أمراض دقيقة تتعلق بالعمود الفقري والنخاع الشوكي والجهاز العصبي، ويمنع إجراء عمليات جراحية تخصصية تعتمد كليًا على هذا النوع من التصوير.

فحوصات مؤجلة وخسائر متفاقمة

في شمال قطاع غزة ومدينة غزة لا يوجد سوى جهاز أشعة مقطعية واحد فعّال في مستشفى الأهلي العربي، إضافة إلى جهاز محدود الإمكانات في مستشفى حمد، يخدمان قرابة 900 ألف مواطن، ما يفرض قوائم انتظار طويلة، خصوصًا للحالات غير الطارئة.

ويشير الوحيدي إلى أن المرضى المجدولين قد ينتظرون أسبوعين أو أكثر لإجراء التصوير، ثم يدخلون في انتظار جديد لأسابيع أخرى لقراءة الصورة وكتابة التقرير الطبي، بسبب النقص الحاد في أطباء الأشعة والكوادر الصحية عمومًا، بعد استشهاد أكثر من 1700 كادر صحي، واعتقال أكثر من 364، واضطرار أكثر من 700 لمغادرة القطاع.

ويضيف: «لدينا طبيب أو اثنان فقط في مدينة غزة لقراءة صور الأشعة المقطعية، وحتى لو كتب الطبيب 50 تقريرًا يوميًا فإن الضغط يفوق قدرته، ما يعني أن المريض قد ينتظر أسابيع بعد التصوير لمعرفة نتيجته».

ولم تقتصر الخسائر على الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي؛ إذ كان في غزة أكثر من 75 جهاز أشعة عادية (X-Ray) قبل الحرب، لم يتبقَّ منها سوى 23 جهازًا، كما تراجع عدد أجهزة الأشعة الملونة من أكثر من 12 جهازًا إلى ثلاثة فقط.

أما أجهزة تصوير الثدي (الماموغرام)، فانخفضت من أكثر من ثمانية أجهزة إلى جهازين فقط، أحدهما في مستشفى القدس والآخر في مجمع ناصر الطبي، ما يعقّد عمليات الكشف المبكر عن سرطان الثدي.

كارثة تهدد مرضى الكلى

وتنعكس الأزمة بشكل كارثي على مرضى غسيل الكلى؛ فقبل الحرب كان في القطاع أكثر من 170 جهاز غسيل كلى، أما اليوم فلا يتجاوز عدد الأجهزة العاملة 90 جهازًا، بعد تدمير مراكز رئيسية مثل مستشفى الشفاء والمستشفى الإندونيسي وأبو يوسف النجار.

وكان عدد مرضى غسيل الكلى المسجلين قبل الحرب 1244 مريضًا، ومع الزيادة الطبيعية المتوقعة كان يفترض أن يتجاوز العدد 1400 مريض. أما اليوم فلم يتبقَّ سوى 622 مريضًا ملتزمًا بالعلاج، ما يعني فقدان 52% من المرضى نتيجة غياب الرعاية الصحية وصعوبة الوصول إلى مراكز الغسيل، إضافة إلى الاستهداف المباشر الذي أدى إلى استشهاد أكثر من 40 مريضًا بالقصف.

في ظل هذا الواقع تُمنح الأولوية المطلقة للحالات المهددة للحياة؛ إذ يحصل مرضى العناية المركزة وحالات إنقاذ الحياة على التصوير والتقارير بشكل فوري، بينما تُدرج الحالات الأخرى على قوائم انتظار طويلة وفق التقييم الطبي.

لكن بالنسبة لآلاف المرضى، يبقى الانتظار طويلًا، والألم حاضرًا، والتشخيص معلّقًا على جهاز واحد يعمل فوق طاقته، في قطاع أنهكته الحرب.