غربة طبية على بوابات رفح .. جريح يعبر وعشرات الآلاف ينتظرون

mainThumb
غربة طبية على بوابات رفح.. جريح يعبر وعشرات الآلاف ينتظرون

07-03-2026 11:07 AM

printIcon

اخبار اليوم -  تحت شمس شاحبة لا تدفئ القلوب، يمتزج ضجيج المحركات بصمت الانتظار الثقيل في ساحة غزاها الركام. هناك، أمام بوابات الجانب الفلسطيني من معبر رفح، تصطف مركبات بيضاء كأنها أكفان ترفض الموت، تحمل شعارات دولية تحاول أن تكون جسرا بين وجع غزة وأمل الشفاء في ما وراء الحدود.

الغبار العالق في الهواء لا يغطي تفاصيل الدمار المحيط، فالمباني المثقوبة بالقذائف تطل كشهود صامتة على رحلة هروب قسرية من الألم.

خلف السياج الحديدي لمستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، تتراص أصابع أطفال لم يبلغوا الحلم بعد، غرسوا نظراتهم بين القضبان البيضاء، يراقبون في ذهول موكبا يشق طريقه نحو المجهول. بالنسبة لهؤلاء الصغار، ليست هذه الحافلات مجرد وسيلة نقل، بل "قوارب نجاة" تحمل أحبّة قد لا يعودون قريبا.


وجع وفراق
في جوف إحدى سيارات الإسعاف، يختنق الهواء برائحة المعقمات والألم، جسد منهك مسجى على سرير ضيق، تحيط به أنابيب الأكسجين كأنها خيوط حياة واهنة، في حين تمتد يد مسعف ببدلته الزرقاء لتمسح عن جبين الجريح عرق الوجع وخوف الفراق. كل حركة محسوبة، وكل نظرة تحمل سؤالا صامتا عن احتمالات النجاة.

وعلى مقربة منه، خلف زجاج حافلة هشّمته الشظايا، تبرز ملامح مسافرين أنهكهم الرحيل، يودّعون الأرض التي سكنت فيهم قبل أن يسكنوا فيها.

وبين صرخات مكتومة وتكبيرات خافتة، تقف الحاجة خديجة، أم العبد، تمسك بطرف ثوبها كأنها تتمسك بخيط أخير يربطها بابنها. عيناها معلقتان بباب سيارة الإسعاف، وقلبها يركض خلفها قبل أن تتحرك عجلاتها.



إنه مشهد "التغريبة الطبية" حيث يصبح السفر للعلاج قطعة من العذاب، وحيث تتحول الحدود إلى امتحان قاس للأمهات، ويغدو الشفاء حلما معلقا بين ركام الحرب وقضبان الانتظار.



الحاجة خديجة، والدة الجريح محمود العبد، تختصر حكاية عامين من الألم في جملة واحدة "أصيب ابني في ساقه، وهو يعاني الآن من نقص حاد في الكتلة العظمية وتهتك شديد، تبعته مضاعفات طبية قاسية في العظام".

تروي، للجزيرة نت، أن الإصابة وقعت قبل عامين تقريبا عند مفترق البريج وسط قطاع غزة، حينما كان محمود يعمل في تركيب أنظمة السخانات الشمسية، حيث استهدف صاروخ المكان، فأصيب في ساقه، كما استقر عيار ناري في صدره، ما أدى إلى اختراق شظية لموضع المعدة تسبب في تمزق بها.

منذ تلك اللحظة، تقول الأم، تبدلت حياتهم بالكامل، إذ دخل محمود المستشفى مرات كثيرة، وأجرى عمليات عدة، لكن الأطباء قالوا إن العلاج الحقيقي يحتاج إلى جراحات متقدمة خارج غزة.

تنساب الدموع من عينيها وهي تضيف: يشهد الله أني حزينة جدا على فراقه. الفراق شاق على النفس، لكنني أتمنى أن يعود إليّ معافى. كل ما أريده أن أراه يمشي على قدميه من جديد.


قبل الإغلاق
في الثاني من فبراير/شباط الماضي، أُعيد فتح معبر رفح جزئيا أمام الحالات الإنسانية، وعلى رأسها المرضى والجرحى، وفق آلية تفويج محددة سمحت بسفر نحو 50 إلى 60 مريضا يوميا مع مرافق واحد لكل حالة.

لكن هذا الأمل لم يدم طويلا، إذ أغلقت سلطات الاحتلال المعبر مجددا أمام حركة الأفراد والمصابين، لدواع أمنية، في أعقاب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ما أعاد آلاف الأسماء إلى قوائم الانتظار القاسية. وهكذا تحوّل إدراج اسم المريض في كشف السفر إلى مرحلة معلقة لا يعرف صاحبها متى يحين موعد عبوره.

من حسن حظ الشاب محمود العبد أنه غادر بوابات المعبر قبل الإغلاق بأيام قليلة. التقته الجزيرة نت على سرير الإسعاف وهو يحاول أن يبدو متماسكا أمام والدته. قال بصوت خافت "أعرف أن أمي تتألم أكثر مني، لكنني مضطر للسفر. أريد أن أعود واقفا على قدمي".

يستعيد لحظة الإصابة، ويقول إنه شعر بحرارة تشتعل في ساقيه عندما سقط الصاروخ، ثم فقدت الإحساس بكل شيء. وعندما أفاق أخبروه أن هناك تهتكا شديدا في العظم وأن شظية أصابت معدته.

وتيرة بطيئة
وراء قصة محمود، تقف آلاف القصص المشابهة لجرحى لم يتمكنوا من عبور المعبر قبل إغلاقه. بعضهم ينتظر منذ شهور طويلة فرصة علاج خارج القطاع.

ووفق بيانات حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حتى مطلع عام 2026، فإن أكثر من 18 ألف مريض وجريح في غزة ما زالوا بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل خارج القطاع لتلقي علاج متخصص غير متوفر محليا، بينهم آلاف الأطفال.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن وتيرة الإجلاء الحالية بطيئة للغاية مقارنة بحجم الاحتياج، ما يعني أن آلاف الحالات ستظل في دائرة الانتظار ما لم تُفتح المعابر بصورة منتظمة.


وفي ظل هذا الواقع، يصبح السفر للعلاج أشبه بفرصة نجاة نادرة، في حين يتحول الانتظار إلى اختبار يومي للألم والصبر.



محمد عياد، 31 عاما، أحد الجرحى الذين لم يحالفهم الحظ في السفر. أصيب في قصف استهدف حي الشجاعية وأدى إلى تهتك شديد في عظم الفخذ. يقول "أخبرني الأطباء أنني بحاجة إلى جراحة تثبيت معقدة في الخارج. منذ أشهر وأنا أنتظر اسمي في كشف السفر".

يضيف للجزيرة نت -وهو يشير إلى ساقه المثقلة بالجبائر- أن الألم يزداد يوما بعد يوم، لكن الأصعب هو الشعور بأن العلاج قريب جدا خلف الحدود، ومع ذلك لا يستطيع الوصول إليه.

أما عبد الرحمن أبو عودة، 24 عاما، فأصيب بشظايا في العمود الفقري خلال قصف استهدف منزله في مخيم النصيرات. يوضح للجزيرة نت أن الأطباء قالوا إنه بحاجة إلى عملية دقيقة في الأعصاب. إذا تأخرت كثيرا قد يفقد القدرة على الحركة.


ليس وحده
الطبيب في مستشفى الشفاء الدكتور سامر حمدان يوضح أن إصابة محمود معقدة ومركبة. يقول "هناك نقص حاد في الكتلة العظمية نتيجة التهتك، إضافة إلى مضاعفات في المعدة بسبب الشظية".

ويضيف، للجزيرة نت، أن مثل هذه الحالات تحتاج إلى جراحات ترميم عظم متقدمة غير متوفرة داخل القطاع. لكن المشكلة، كما يقول، لا تتعلق بحالة محمود وحده "لدينا آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات تخصصية خارج غزة، لكنهم لا يستطيعون السفر".

ويؤكد أن التأخير في مثل هذه الحالات قد يؤدي إلى التهابات مزمنة أو تلف دائم في الأعصاب والعظام.

من جهته، يقول أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إن حرمان المرضى والجرحى من السفر للعلاج يمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي الإنساني.

يوضح للجزيرة نت أن الحق في العلاج حق أساسي لكل إنسان، لكن آلاف المرضى في غزة يُحرمون منه بسبب القيود المفروضة على حركة السفر.

ويضيف أن إغلاق المعابر وفرض القيود على دخول المعدات الطبية والكوادر يزيد من تدهور النظام الصحي في القطاع. وأن المطلوب اليوم فتح ممرات طبية آمنة ومستدامة للمرضى والجرحى، لأن حياتهم لا تحتمل الانتظار، حسب تعبيره.

وفي حين تتحرك سيارة الإسعاف حاملة محمود نحو بوابة المعبر، تظل الحاجة خديجة واقفة في مكانها، تتابعها بعينين دامعتين. ترفع يديها بالدعاء، كأنها تحاول أن تحيط ابنها بحماية لا تستطيع الحدود أن تمنحها.

وراءها يقف آخرون ينتظرون دورهم في الرحيل، جرحى لا يزالون على الجانب الآخر من البوابة، حيث يبقى الشفاء حلما مؤجلا، والانتظار قدرا يوميا لا ينتهي.

الجزيرة