أخبار اليوم - في خيمةٍ مهترئة وسط مدينة غزة، يجلس الشاب عبيدة أبو حليمة محاولًا التكيّف مع حياةٍ لم يخترها. رصاصةٌ أصابت بطنه بينما كان يحمل كيس طحين لعائلته، غيّرت مسار حياته إلى الأبد، وتركته بين جرحٍ ثقيل في جسده وحلمٍ مؤجل بالعلاج والحياة.
تُجسّد قصة عبيدة واحدة من مئات القصص التي خلّفتها الحرب في قطاع غزة، حيث تحوّلت رحلة البحث عن الطعام إلى مخاطرة قد تنتهي بإصابة أو فقدان للحياة.
عبيدة أبو حليمة، الذي يبلغ اليوم 18 عامًا، بدأ رحلته القاسية مع الحرب وهو في السادسة عشرة، عندما انقلبت حياة سكان القطاع رأسًا على عقب، وأصبحت تفاصيلهم اليومية محكومة بالخوف ونقص الغذاء والبحث الدائم عن النجاة.
ينحدر الشاب من حي التفاح شرق حي الشجاعية في مدينة غزة، وهي منطقة تعرّضت لقصف واسع خلال الحرب. هناك نشأ وسط عائلة بسيطة، يقضي أيامه بين الدراسة ومساعدة أسرته في بعض الأعمال اليومية، ويحلم بمستقبل يشبه أحلام أي شاب في عمره.
لكن الحرب سرقت تلك الأحلام مبكرًا.
مع اندلاع القتال، رفضت عائلته النزوح إلى جنوب القطاع كما فعلت آلاف العائلات، وفضّلت البقاء في شمال غزة رغم القصف المتواصل ونقص الغذاء والمياه، معتبرة أن البقاء في المنزل، مهما كان الخطر، أهون من حياة النزوح المجهولة.
يقول عبيدة مستعيدًا تلك الأيام لـ "فلسطين أون لاين": "لم يكن صوت الطائرات فقط هو الأصعب، بل الشعور الدائم بأن الموت قد يطرق الباب في أي لحظة".
ومع اشتداد القصف، اضطرت العائلة في إحدى المرات إلى مغادرة منزلها مؤقتًا بعد تصاعد العمليات العسكرية في الشجاعية، لتعيش تجربة نزوح قصيرة داخل مدينة غزة. لكن المعاناة لم تتوقف عند هذا الحد.
بعد فترة قصيرة، دُمّر منزل العائلة في حي التفاح، ليجد عبيدة وأفراد أسرته أنفسهم بلا مأوى. ومنذ ذلك الحين، تحولت حياتهم إلى سلسلة من التنقلات بين أماكن إيواء مؤقتة، إلى أن انتهى بهم المطاف في مخيم وسط مدينة غزة، حيث يعيشون اليوم في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وسط هذه الظروف القاسية، حاول عبيدة أن يتحمل مسؤولية أكبر داخل أسرته، خصوصًا مع تفاقم المجاعة في عام 2025، حين أصبح الحصول على الطحين أو الطعام مهمة محفوفة بالمخاطر.
وفي أحد الأيام، قرر التوجه نحو منطقة زكيم شمال القطاع بحثًا عن الطحين لعائلته.
لم يكن يعلم أن تلك الرحلة ستغيّر حياته بالكامل.
أثناء عودته حاملاً كيس طحين، تعرّض لإطلاق نار مفاجئ من طائرة "كواد كابتر"، فأصابته رصاصة في بطنه. سقط على الأرض ينزف بشدة وسط حالة من الفوضى والخوف.
يستعيد عبيدة تلك اللحظة قائلًا إن الألم اخترق جسده فجأة، بينما كان الدم يتدفق بسرعة ولم يكن يعرف إن كان سينجو أم لا.
نُقل بصعوبة إلى أحد مستشفيات مدينة غزة، حيث تعمل الطواقم الطبية وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات. وبعد الفحوصات الأولية، تبيّن أن إصابته خطيرة وأن الرصاصة تسببت بضرر كبير في أمعائه.
خضع لعدة عمليات جراحية متتالية في محاولة لإنقاذ حياته، اضطر الأطباء خلالها إلى استئصال أجزاء من أمعائه بطول يتراوح بين 60 و75 سنتيمترًا.
أنقذت تلك العمليات حياته، لكنها تركت آثارًا صحية معقدة سترافقه لسنوات طويلة.
بعد خروجه من المستشفى، واجه عبيدة تحديًا جديدًا: لم يعد قادرًا على تناول الطعام بشكل طبيعي. فقدان جزء كبير من أمعائه جعله غير قادر على تناول وجبات كبيرة، وأصبح يعتمد على وجبات صغيرة جدًا يتناولها كل ساعتين تقريبًا حتى يتمكن جسمه من هضم الطعام دون ألم.
يقول: "أبسط الأمور التي اعتاد عليها الناس أصبحت بالنسبة لي تحديًا يوميًا. أشعر بالجوع كثيرًا، لكن جسدي لا يستطيع تحمّل كميات كبيرة من الطعام".
وتزداد معاناته مع ظروف الحياة في المخيم، حيث يصعب الالتزام بنظام غذائي خاص يحتاجه للحفاظ على صحته.
كما أخبره الأطباء أن حالته تحتاج إلى عملية جراحية متقدمة خارج قطاع غزة، قد تساعد في تحسين وضعه الصحي وتقليل المضاعفات التي يعاني منها.
غير أن الحصول على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع ما يزال أمرًا معقدًا، ولم يتمكن حتى الآن من الحصول على الموافقة اللازمة للسفر.
يزداد قلق عبيدة مع مرور الوقت، خاصة بعد أن أخبره الأطباء أن إجراء العملية قبل بلوغه العشرين عامًا سيكون أفضل لنتائج العلاج. ومع أنه يبلغ اليوم 18 عامًا فقط، إلا أن الأشهر تمضي سريعًا، بينما يبقى مستقبله الصحي معلقًا بانتظار فرصة للعلاج.
رغم كل ما مرّ به، يحاول الشاب التمسك بالأمل.
يجلس في خيمته داخل المخيم، يتأمل حياة تغيّرت بالكامل خلال عامين فقط؛ من فتى كان يحلم بمستقبل عادي، إلى شاب يحمل جرحًا دائمًا في جسده وذاكرة مثقلة بتجارب الحرب.
ومع ذلك، يقول عبيدة إن أمنيته بسيطة: أن يتمكن من السفر للعلاج، ويعود يومًا ما إلى حياة طبيعية، ويستعيد جزءًا من سنوات شبابه التي سرقتها الحرب.
فلسطين أون لاين