بين بترين .. حرب تعيد سرقة الجسد والطرف الصناعي

mainThumb
بين بترين.. حرب تعيد سرقة الجسد والطرف الصناعي

08-03-2026 10:05 AM

printIcon

أخبار اليوم - لم تكن إصابة خميس ناهض غريب فوجو عام 2018 مجرد جرحٍ عابر في جسده، بل محطة قاسية غيّرت مسار حياته بالكامل، حين استقرت رصاصة أطلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في ركبته خلال مسيرات العودة شرقي قطاع غزة، وقطعت الشريان الرئيسي في ساقه، ما اضطر الأطباء إلى بتر قدمه بعد محاولات لإنقاذها.

قضى خميس (39 عامًا) أسابيع طويلة في العناية المكثفة، وتحمّل مضاعفات صحية متلاحقة، قبل أن ينجح لاحقًا في السفر إلى مصر لتركيب طرف صناعي أعاده إلى الحركة من جديد. لم يكن الطرف مجرد أداة طبية، بل وسيلة لاستعادة جزء من استقلاله الجسدي، والعودة إلى حياته اليومية داخل أسرته رغم الإعاقة.

طرف أعاد له الحياة

بفضل الطرف الصناعي، تعلّم خميس المشي من جديد، واستعاد قدرته على التنقل والعمل وأداء مهامه اليومية، بعد سنوات من الألم والعلاج. كان يمثل بالنسبة له إنجازًا شخصيًا ومفتاحًا لمرحلة جديدة حاول خلالها تجاوز آثار الإصابة.



لكن مع اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، تبدّل المشهد مجددًا. كان خميس يقيم مع عائلته في رفح الغربية حين اشتد القصف وتوسعت العمليات العسكرية، ولا سيما مع اجتياح جيش الاحتلال لمحور صلاح الدين على الحدود المصرية الفلسطينية.

تحت وطأة القصف، اضطر إلى مغادرة منزله سريعًا برفقة زوجته وأبنائه، دون أن يتمكن من حمل أي من مقتنياته. بقي كل شيء خلفه، بما في ذلك الطرف الصناعي الذي أعاده يومًا إلى الوقوف.

يقول خميس لصحيفة "فلسطين": "خرجت وما أخذت غير أولادي… حتى رجلي الصناعية ما لحقت أطلعها من شدة القصف".



نزوح بلا استقرار

منذ تلك اللحظة، لم يعد خميس مبتور القدم فقط، بل فقد القدرة التي استعادها بشق الأنفس. تنقلت العائلة بين عدة مناطق نزوح؛ من رفح إلى قيزان النجار في خان يونس، ثم إلى المناطق الساحلية، قبل العودة مجددًا إلى قيزان النجار، ثم إلى مواصي رفح، في رحلة نزوح متكررة بلا استقرار.

داخل خيمة النزوح، تتضاعف المعاناة. ففي إحدى الليالي، ومع استمرار الانفجارات العنيفة والمنخفضات الجوية والرياح القوية، انهار حائط مجاور على خيمتهم، مدمّرًا ما تبقّى من مقتنيات بسيطة كالفُرش وأدوات المطبخ والأغطية.

نجت الأسرة — زوجته وابنتاه مرح وأنغام وابنه إبراهيم — لكن الخيمة لم تعد صالحة للسكن، وباتت الظروف أكثر قسوة.



يقول خميس مستعيدًا تلك اللحظة: "كأنه قصف عنيف… لما ينهار كل شيء فوقك بتحس إنه ما ضلّلك شيء".

آلام الفقد

لم يقتصر الألم على فقدان الجسد والمأوى، بل امتد إلى فقدٍ إنساني عميق. فخلال انسحاب جيش الاحتلال من رفح، خرج ابنه محمد (17 عامًا) مع أحد الأقارب، ثم فُقد أثره لأكثر من عام، قبل أن تعثر العائلة خلال هدنة لاحقة على بقايا من جثمانه في منطقة بطن السمين بخان يونس.

كما تعرّضت زوجته لإصابة جراء قصف إسرائيلي استهدف منازل عائلتها في خان يونس، حيث فقدت عددًا من أفراد أسرتها، قبل أن تتعافى وتواصل تحمّل أعباء النزوح والحياة الصعبة إلى جانبه.



عبء المسؤولية

تقول ابنته أنغام (14 عامًا): "محمد كان الكبير… لما راح صارت كل مسؤولياته عليّ، أجيب المي وأطلع أجيب أغراض. بابا لو كان عنده رجله كان عملها".

بالنسبة لخميس، تداخل الفقد الجسدي مع الفقد العائلي، إذ إن غياب الطرف الصناعي جعله عاجزًا عن القيام بأبسط المهام اليومية، مثل جلب المياه أو الوقوف في طوابير المساعدات أو التنقل بين مناطق النزوح، ما زاد العبء على أسرته التي تتحمل المسؤولية مجبرة على تعويض ما فقده من قدرة.

علاجٌ معلق… ونجاة بلا تعافٍ

يحاول خميس منذ أكثر من عام تركيب طرف صناعي جديد، إذ أُخذت مقاساته في مؤسسات طبية داخل غزة، لكن دون نتيجة حتى الآن، في ظل انهيار المنظومة الصحية وإغلاق المعابر وتعليق التحويلات الطبية إلى الخارج.



يقول بحسرة: "في غزة ما في إمكانية أمشي عليها… العلاج الحقيقي برا، بس الطريق مسكّر".

لم يُبتر جسده مرة واحدة فقط، بل بُترت معه إمكانية التعافي حين فقد الطرف الصناعي. وباتت النجاة من القصف لا تعني بالضرورة القدرة على الحياة الكريمة، في واقعٍ يضاعف الألم ويعيد إنتاج المعاناة بأشكال مختلفة.

فلسطين أون لاين