لا يُقهر .. حلم مصر صمد منذ 1934 أمام سنوات الإحباط واستعاد حيويته مع محمد صلاح

mainThumb
لا يُقهر.. حلم مصر صمد منذ 1934 أمام سنوات الإحباط واستعاد حيويته مع محمد صلاح

07-04-2026 01:41 PM

printIcon

أخبار اليوم - من المشاركة الرائدة لأفريقيا في كأس العالم إلى النهضة التي قادها محمد صلاح في دورة 2018، تمزج مسيرة المنتخب المصري بين المجد والإحباطات وحلم يمتد عبر الأجيال

بقلم عبد الموجود سمير

لسنا هنا اليوم لتحليل مباراة أو مناقشة التكتيكات أو الحديث عن الخطط. نحن هنا لنروي قصة رحلة بدأت منذ أكثر من 90 عامًا وتستمر حتى اليوم. رحلة حلم رفض أن ينكسر، مهما كانت العقبات التي واجهها.


من أول صيحة فرح في روما عام 1934، إلى آخر دمعة ذرفت في روسيا عام 2018. من الملاعب الترابية في شوارع القاهرة إلى أضواء كبار الملاعب على كوكب الأرض. هذه هي قصة مصر في كأس العالم.


بدأ كل شيء في عام 1934، في عالم مختلف تمامًا. لم تكن هناك أجهزة تلفزيون ولا كاميرات — فقط راديو، يصدر صوتًا متقطعًا وسط التشويش، يبث الأخبار بجمل متقطعة، وحلم صغير يحترق في قلوب 11 لاعبًا مصريًا.

انطلقت المنتخب المصري في رحلة إلى إيطاليا ليصبح أول دولة عربية وأفريقية تشارك في كأس العالم. كانت الرحلة طويلة، على متن سفينة قديمة، لكن الحماس كان يتغلب على التعب بعد الانتصارات في التصفيات ضد فلسطين.

في روما، واجهت مصر المجر، أحد أقوى المنتخبات الأوروبية. انتهت المباراة بهزيمة 4-2، لكن هدفين مصريين سجلهما عبد الرحمن فوزي دخلوا التاريخ: فقد أصبح أول أفريقي يسجل هدفاً في كأس العالم.

في أزقة القاهرة، تجمع الناس حول أجهزة الراديو، يبتسمون ويصفقون، وتلمع عيونهم بفخر لم يشعروا به من قبل. في تلك اللحظة، وُلد الحلم.

بعد تلك الصيحة الأولى، ساد صمت طويل. اندلعت الحروب، وطغت لغة السلاح على لغة كرة القدم. وبينما كان البلد يحاول إعادة بناء نفسه، كان المصريون يتابعون كأس العالم عبر الصحف فقط.

استمرت أجيال من اللاعبين في الظهور — ومن بينهم صالح سليم، وطه إسماعيل، وحسن شحاتة، ومحمود الخطيب — وكانت مصر بطلة أفريقيا. لكن كأس العالم ظل بعيدًا، كنجم يمكنك رؤيته في السماء، لكن لا يمكنك الوصول إليه أبدًا.

في عام 1990، بعد غياب دام 56 عاماً، عاد الفراعنة أخيراً إلى كأس العالم. بقيادة محمود الجهري، كتبت مصر فصلاً جديداً في تاريخها الرياضي.

كانت التصفيات صعبة للغاية، لكن الهدف الذي سجله حسام حسن ضد الجزائر سمح للفريق أخيرًا بكسر حاجز التوتر. أصبحت تلك الليلة من شهر نوفمبر، عندما امتلأت الشوارع بالناس، ورفرفت الأعلام على الشرفات، وترددت الأناشيد في السماء، ليلة لا تُنسى.

في يونيو 1990، عادت مصر إلى إيطاليا — وبالتحديد إلى باليرمو — لمواجهة بطل أوروبا، هولندا. انتهى الشوط الأول دون أهداف، ولكن في الدقيقة 13 من الشوط الثاني سجل ويم جونك هدفًا للهولنديين بعد تمريرة عرضية من النجم ماركو فان باستن. ثم جاءت الدقيقة 83 التي لا تُنسى، عندما تعرض حسام حسن للعرقلة داخل منطقة الجزاء وأشار الحكم إلى نقطة الجزاء.

تقدم مجدي عبد الغني لتنفيذ الركلة، أخذ نفسا عميقا وسدد بقوة... هدف! صرخ المعلق: «هدف لمصر!» وبعد سنوات، أصبح ذلك اللحظة مصدر فخر وموضوع نكتة في الوقت نفسه، حيث ظل عبد الغني يذكر تلك اللقطة في كل مقابلة تقريبًا، وكأنها أعظم إنجاز في تاريخ كرة القدم المصرية.

لكن في تلك اللحظة، كان الأمر أكثر من مجرد هدف؛ كان جسراً بين الماضي والحاضر، من عبد الرحمن فوزي إلى مجدي عبد الغني، من جيل إلى آخر. انتهت المباراة بالتعادل 1-1، لكنها تركت طعم النصر في قلوب المصريين.

في المباراة الثانية، واجهت مصر أيرلندا. كانت المباراة مليئة بالتوتر والعرق والصراخ، لكن الدفاع المصري صمد بقوة، حيث دافع الحارس أحمد شوبير عن كل كرة وكأن حياته تعتمد على ذلك.

اتسمت هذه المباراة بالتكتيكات المتعمدة والاستفزازية التي استخدمها شوبير. ربط العديد من المشجعين حول العالم ما فعله الحارس المصري في تلك المباراة بوضع الفيفا لاحقًا لقاعدة التراجع. على أي حال، انتهت المباراة بالتعادل السلبي، لكن بطعم النصر.

بدأ العالم يتساءل: "من هم هؤلاء الأفارقة الذين يقاتلون كالأسود؟"، بينما أطلقت عليهم الصحافة الدولية لقب "المنتخب المصري الصلب".

ثم جاءت إنجلترا، في مباراة صعبة للغاية قضى فيها المنتخب المصري معظم الوقت تحت الضغط وانتهت بهزيمته 1-0. ومع ذلك، لم يعتبر الفريق ذلك فشلاً. كما قال الجوهري: "لقد زرعنا البذرة اليوم... وسيحصدها أحد غداً".

لكن الصمت عاد من جديد. سنوات من المحاولات الفاشلة والتصفيات التي كانت تفلت من بين الأصابع بفارق ضئيل. واصلت مصر هيمنتها على القارة الأفريقية بفوزها بعدة ألقاب في كأس الأمم الأفريقية، لكن باب كأس العالم ظل مغلقًا.

مرت أجيال، لكن البوابة لم تفتح أبداً. في عام 2010، اقتربوا كثيراً، لكنهم خسروا مباراة فاصلة أمام الجزائر في السودان. بكى البلد بأكمله، لكن الحلم المصري لم يمت — كان ينتظر فقط بطلاً جديداً لإحيائه.

محمد صلاح. فتى من قرية ناجريج الصغيرة، يحمل حلم الملايين. من المكاوولون إلى بازل، ومن تشيلسي إلى فيورنتينا، ومن روما إلى ليفربول، كانت كل مباراة تعني شيئًا، وكان كل هدف يروي قصة.

في تصفيات كأس العالم 2018، كان صلاح هو البطل. أعادت أهدافه إحياء الأمل؛ وجعلت سحره الشعب يؤمن من جديد. وفي ليلة لا تُنسى في استاد بورج العرب، حوّل صلاح هذا الإيمان إلى حقيقة.

في الوقت المحتسب بدل الضائع، كانت النتيجة 1-1 بين مصر والكونغو. كانت صوت المعلق مدحت شلبي يرتفع مع كل هجمة: "أعطنا شيئًا يا أخي!" ثم، في الدقيقة 49 من الشوط الثاني، تعرض تريزيجيه لعرقلة. ركلة جزاء! صرخ شلبي: "الله أكبر!"

أخذ صلاح الكرة، ووضعها على علامة الجزاء، وابتسم ابتسامة خفيفة وسجل الهدف. انفجر الملعب، وهزت الضجة مدينة الإسكندرية. نزل الناس إلى الشوارع بينما كانت الأطفال تبكي من الفرح. بعد 28 عاماً، عادت مصر إلى كأس العالم.

قبل شهر من انطلاق كأس العالم في روسيا، استضافت كييف، عاصمة أوكرانيا، أكبر ليلة في كرة القدم الأوروبية: ريال مدريد ضد ليفربول في نهائي دوري أبطال أوروبا.

كانت كل الأنظار موجهة نحو صلاح، مع تردد هتافات "الملك المصري" في أنحاء المدينة قبل انطلاق المباراة. كانت الكاميرات تتابعه بينما كان المعلقون يشيدون بموسمه التاريخي في الدوري الإنجليزي الممتاز. كان من المفترض أن تكون تلك الليلة ليلته.

ثم، في لحظة واحدة في منتصف الشوط الأول، انهار كل شيء. في صراع مع سيرجيو راموس، سقط صلاح على العشب ممسكاً بكتفه، يتلوى من الألم. لم يستطع النهوض. انتقل وجهه من الألم إلى البكاء عندما تم استبداله.

ساد الصمت في القاهرة. في المقاهي، تجمدت الشاشات، وفتحت الأفواه في حالة من الصدمة. الأطفال الذين كانوا يرقصون قبل دقائق أصبحوا الآن واقفين بلا حراك. كان الأمر كما لو أن مصر بأكملها سقطت مع صلاح.

بعد أسابيع، عاد صلاح — مصابًا، لكن غير مهزوم — لخوض كأس العالم، قائلاً للعالم: «قد تسقط الأجساد... لكن الأحلام لا تسقط أبدًا».

في كأس العالم 2018 في روسيا، عاد منتخب الفراعنة بعد 28 عاماً. لكن البداية لم تكن على أفضل ما يرام.

بدأ صلاح، الذي كان كتفُه لا يزال مصابًا، المباراة على مقاعد البدلاء عندما واجهت مصر أوروغواي في أول مباراة لها. ومع ذلك، دافعت الفريق بشجاعة، وقاتلت بشدة، وبدت أقرب إلى الفوز حتى استقبلت هدفًا في الدقيقة 44 من الشوط الثاني. ومع ذلك، كان الروح التي أظهرها الفريق تشير إلى أن ذلك لن يكون خلاصة الحملة.

"عندما يعود صلاح، سيتغير كل شيء"، كان هذا ما يقوله الكثيرون قبل المباراة الثانية، ضد البلد المضيف روسيا. لعب صلاح أساسياً وظهر مبتسماً قبل صافرة البداية. لكن جسده كان لا يزال يشعر بالإصابة.

سجل النجم المصري هدفاً من ركلة جزاء في سانت بطرسبرغ، لكن مصر كانت متأخرة بثلاثة أهداف في ذلك الوقت. انتهت البطولة بالنسبة لهم قبل الجولة الأخيرة.

عاد صلاح للتسجيل في المباراة الأخيرة من دور المجموعات، ضد السعودية، لكن الهزيمة جاءت على أي حال. عاد الفراعنة إلى ديارهم دون حصد أي نقطة.

بعد روسيا، دخلت تاريخ كرة القدم المصرية في أصعب فصولها. عادت نفس الجيل من اللاعبين إلى الوطن لخوض كأس الأمم الأفريقية 2019 بصفتها البلد المضيف، مع توقعات عالية للغاية. لكن الفرح تأجل. خرجت مصر من دور الـ16 أمام جنوب أفريقيا في خروج صدم الملايين.

بعد عامين، في الكاميرون، في نسخة 2021، وفي ظل ظروف صعبة، عادت مصر للقتال. لم تكن الأداءات رائعة، لكن الروح كانت مختلفة. قاد صلاح فريقاً لعب بقلب، ورد الفراعنة بعد خسارتهم أمام نيجيريا في المباراة الافتتاحية ليقضوا على كوت ديفوار والمغرب والكاميرون حتى وصلوا إلى النهائي ضد السنغال.

للمرة الثالثة في البطولة، ذهب منتخب مصر إلى ركلات الترجيح. لكن هذه المرة، لم يصل صلاح حتى إلى تسديد ركلته، حيث حُسمت المباراة لصالح السنغال قبل أن يحين دوره.

بعد أسابيع، التقى الفريقان مرة أخرى، وهذه المرة للتنافس على بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2022.

مرة أخرى، حُسمت المباراة بركلات الترجيح. هذه المرة، حان دور صلاح. بدا هادئًا وواثقًا، رغم أشعة الليزر الموجهة نحو وجهه من المدرجات. لكن عندما سدد الكرة، ارتفعت الكرة عاليًا جدًّا واختفت في سماء الليل.

تجمدت مصر في حالة من عدم التصديق. تلاشى حلم كأس العالم أخرى في لحظة واحدة. لكن الإيمان بقي، لأن الأحلام التي بنيت على مدى قرن من الزمان لا تنتهي في ليلة واحدة.

ثم جاءت تصفيات كأس العالم 2026. لكن هذه المرة، لم يكن صلاح وحده. فقد ظهرت حوله جيل جديد نشأ وهو يشاهد مسيرته — الصعود والهبوط والعودة من جديد. لم يكونوا ينظرون إليه كنجم فحسب، بل كأخ أكبر.

تغير روح الفريق. منذ المباراة الأولى ضد جيبوتي، كان من الواضح أن هناك شيئًا مختلفًا. كان الفريق منظمًا ومتحمسًا ومتحدًا. كان صلاح لا يزال يسجل الأهداف، لكن كان هناك عمر مرموش وأحمد سيد، الملقب بـ"زيزو"، يتألقان إلى جانبه.

كان المدرب حسام حسن يتجول على طول خط التماس، يصرخ بشغف: "اضغطوا! لا تتراجعوا!" لم يكن يدرب فحسب — بل كان يعيش كل ثانية. استعاد حسن هوية بدت ضائعة. اختفى الخوف، بينما الشباب الذين كانوا يشاهدون صلاح على التلفزيون في السابق أصبحوا الآن يتبادلون التمريرات معه داخل الملعب.

مباراة تلو الأخرى، ظلت مصر غير مهزومة. في عشر مباريات في التصفيات، فازت بثماني مباريات وتعادلت في اثنتين، متصدرة المجموعة بثقة. عند صافرة النهاية للمباراة الأخيرة، ابتسم حسام بهدوء على حافة الملعب. تم إنجاز المهمة الأولى. احتفل اللاعبون بهدوء، وكأنهم يقولون: «العمل الحقيقي يبدأ الآن».

والآن تتجه الأنظار جميعها نحو كأس العالم. حسن بدأ بالفعل في التخطيط، وصلاح وعد المشجعين قائلاً: «هذه المرة، لن يقتصر الأمر على المشاركة فحسب».