الأسواق الشعبية أم المولات .. إلى أين يتجه المستهلك الأردني اليوم؟

mainThumb
الأسواق الشعبية أم المولات… أين يتجه المستهلك الأردني اليوم؟

22-04-2026 03:48 PM

printIcon

أخبار اليوم - ساره الرفاعي - في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية على الأسر الأردنية، يعيد المستهلك رسم أولوياته اليومية بطريقة تبدو واضحة في سلوكه الشرائي، حيث لم يعد التوجه إلى المولات أو الأسواق الشعبية مجرد خيار تقليدي، بل انعكاس مباشر لقدرة مالية تتآكل تدريجياً، يقابلها بحث مستمر عن التوازن بين السعر والجودة وحتى “التجربة”.

في أحد الأسواق الشعبية شرق عمّان، يقول أبو ليث، وهو موظف حكومي، إن وجهته تغيّرت خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، موضحاً أن “الفرق بالسعر صار عامل حاسم، مش مجرد تفصيل… اليوم بتشتري الأساسيات أول، وإذا ضل شي بنفكر بالكماليات”. حديثه يتكرر على ألسنة كثيرين يرون أن الأسواق الشعبية استعادت مكانتها كخيار أول، ليس حباً بها بقدر ما هو استجابة لواقع اقتصادي ضاغط.

لكن في الجهة المقابلة، لا يبدو أن المولات فقدت بريقها بالكامل. داخل أحد المراكز التجارية غرب العاصمة، تتحدث سارة، وهي طالبة جامعية، عن تجربة مختلفة، قائلة إن “المول مش بس للتسوق، هو مكان نطلع فيه ونغير جو… حتى لو ما اشترينا، بنقعد وبنتمشى”. هذا البعد الاجتماعي والترفيهي يجعل من المولات مساحة تتجاوز فكرة الشراء، وهو ما يفسّر استمرار الإقبال عليها، خصوصاً بين فئة الشباب والعائلات.

مراقبون يرون أن ما يحدث ليس تحوّلاً حاداً بقدر ما هو إعادة توزيع في سلوك المستهلك. فبحسب خبير اقتصادي، فإن “المستهلك الأردني أصبح أكثر عقلانية في قراراته، يتجه للأسواق الشعبية لتأمين احتياجاته الأساسية بأقل كلفة، لكنه لا يتخلى تماماً عن المولات، بل يزورها في أوقات محددة أو عند وجود عروض حقيقية”. ويضيف أن هذا السلوك يعكس مرحلة “ضغط اقتصادي مع رغبة بالحفاظ على نمط حياة مقبول”.

في المقابل، يشير تجار إلى أن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. أحد أصحاب المحال داخل مول يؤكد أن الحركة الشرائية “أصبحت موسمية بشكل واضح، ترتبط بالرواتب أو المناسبات، بينما تراجعت المشتريات العفوية”، معتبراً أن المستهلك بات “يحسِبها قبل ما يشتري”. على الجانب الآخر، يلفت تاجر في سوق شعبي إلى أن الإقبال موجود لكنه “محسوب أيضاً”، حيث يركّز الزبائن على الضروريات ويتجنبون الإنفاق الزائد.

وبين هذا وذاك، يبرز رأي معارض لفكرة أن الأسواق الشعبية هي الرابح المطلق، إذ يرى بعض المختصين أن المولات ما زالت تتفوّق من حيث جودة المنتج، وخيارات الدفع، والبيئة المنظمة، معتبرين أن “الفرق ليس فقط بالسعر، بل بالقيمة الكاملة التي يحصل عليها المستهلك”. في حين يرد آخرون بأن “القيمة الحقيقية اليوم هي القدرة على الشراء أساساً، وليس شكل المكان”.

هذا التباين في الآراء يعكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً متشابكاً، حيث لم يعد المستهلك الأردني ينتمي لخيار واحد بشكل ثابت، بل يتنقل بين الأسواق الشعبية والمولات وفق توقيت محدد واحتياج واضح. فهو قد يبدأ يومه في سوق شعبي لتأمين احتياجات المنزل، وينهي أسبوعه في مول للترفيه أو الاستفادة من عرض موسمي.

في المحصلة، لا يبدو أن كفة ترجح بشكل نهائي لصالح طرف على حساب الآخر، بل إن المشهد الاستهلاكي في الأردن يتجه نحو نموذج مزدوج، تحكمه معادلة دقيقة بين “القدرة” و”الرغبة”. وبينما تتكيف الأسواق الشعبية مع الطلب المتزايد على الأسعار الأقل، تحاول المولات الحفاظ على جاذبيتها عبر التجربة والعروض، ليبقى المستهلك هو اللاعب الأهم، يعيد تعريف خياراته مع كل تغير في واقعه المعيشي.