“بابا سيأتي بالحليب”… حكاية أبٍ دفع حياته ثمناً لصرخة جوع طفلته

mainThumb
“بابا سيأتي بالحليب”… حكاية أبٍ دفع حياته ثمناً لصرخة جوع طفلته

23-04-2026 11:51 AM

printIcon

أخبار اليوم - في غزة، حيث تختلط أصوات القذائف ببكاء الجوعى، تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى معركة بقاء. لم يكن سليمان سعيد حجازي (42 عاماً) يبحث عن بطولة، بل عن علبة حليب تُسكت جوع طفلته الرضيعة ماريا، لكنه دفع حياته ثمناً لتلك المحاولة، تاركاً خلفه حكاية موجعة تختصر قسوة الحرب.

في السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2025، كانت مدينة غزة تغرق في ظلام القصف، في حين كانت الطفلة ماريا، ذات الأشهر الخمسة، تبكي جوعاً. لم تجد والدتها وفاء (38 عاماً) ما يسد حاجتها، بعد أن جفّ الحليب في صدرها بفعل الجوع وسوء التغذية.

تروي وفاء لصحيفة "فلسطين": "كان سليمان ينظر إلى ماريا بعينين ممتلئتين بالعجز والحب. قال إنه لا يستطيع تحمّل صراخها أكثر. رغم تحليق طائرات الاستطلاع، قرر الخروج ليؤمّن لها الحليب، ولم يكن يعلم أن الموت ينتظره".

تضيف: "بمجرد أن خرج من الباب، استهدفه صاروخ… وتحول جسده إلى أشلاء"، لتختلط دماء الأب بمحاولته الأخيرة لإنقاذ طفلته.

تستذكر وفاء زوجها بكلمات يغالبها البكاء: "كان هادئاً، رزيناً، لا يرفع صوته، كريماً في مشاعره وعطائه، لا يجرح أحداً".

وتتابع عن لحظة وداعه في المستشفى الأهلي العربي (المعمداني): "كانت رائحة المسك تفوح من جسده، وكأنها رسالة تُصبّر قلوبنا".

وتضيف: "لم يكن مجرد زوج، بل روح البيت. كان يعود متعباً، لكنه لا ينام قبل أن يطمئن علينا جميعاً. اليوم، كبرت المسؤولية فوق كتفي… من يملأ فراغ أب كان يرى الدنيا في عيون أطفاله؟".

ترك سليمان خلفه أربعة أطفال: سعيد، ومحمد، ونهى، والرضيعة ماريا. أطفال وجدوا أنفسهم فجأة بلا سند، يواجهون حياة قاسية في مدينة مثقلة بالفقد.

والدته، الحاجة "أم سليمان" (62 عاماً)، تقول بصبرٍ ممزوج بالحزن: "كان يضع رضاي فوق كل شيء، يسألني دائماً: يما، أنتِ راضية عني؟ اليوم أزفه وأنا راضية عنه… أسأل الله أن يجمعه بالصالحين".

وتضيف بحرقة: "كنت تخاف عليّ من نسمة الهواء… كيف تذهب دون وداع؟".

أما والده، الحاج "أبو سليمان" (65 عاماً)، فيقول بدموع: "كان سندي… يحمل عني أعباء الحياة. خرج ليجلب الحليب لحفيدتي، فعاد إلينا خبر استشهاده".

ولم تتوقف المأساة عند فقدان الأب، إذ دُمّر منزل العائلة، لتجد الأرملة وأطفالها أنفسهم في خيمة لا تقي حرّاً ولا برداً.


تقول وفاء: "كنا نعيش في بيت بناه سليمان بعرقه، واليوم نعيش في خيمة. المكان الذي جمعنا هُدم، والرجل الذي كان يحمينا رحل، ولم يبقَ لنا سوى الصبر".

ستكبر ماريا يوماً، ولن تجد صورة تجمعها بوالدها، لكنها ستحمل قصة حبٍ لم يكتمل، وأبٍ دفع حياته ثمناً لصرخة جوعها.

رحل سليمان، وبقيت "علبة الحليب" التي لم تصل شاهدة على حكاية موجعة، تؤكد أن في غزة… حتى السعي للبقاء على قيد الحياة قد يكون رحلة أخيرة.



فلسطين أون لاين