أخبار اليوم - عواد الفالح – عاد الجدل حول ملف تنشيط السياحة في الأردن إلى الواجهة مع تصاعد النقاش الشعبي بشأن الاعتماد على ما يُعرف بـ"المؤثرين" للترويج للمواقع السياحية، مقابل مطالبات واسعة بإعادة النظر في الأساس الحقيقي لأي نهضة سياحية، وهو جودة الخدمة، والأسعار المناسبة، وسهولة الوصول، والبنية التحتية، لا الاكتفاء بحملات دعائية عابرة على الشاشات والمنصات.
كثير من المواطنين يرون أن الترويج السياحي لا يبدأ من صورة جميلة أو مقطع مصور، بل من تجربة السائح نفسه منذ لحظة وصوله إلى المطار وحتى مغادرته. فالسائح، بحسب رأيهم، لا يبحث فقط عن مشهد بصري، بل عن تكلفة منطقية، فندق مناسب، مطعم بسعر عادل، مواصلات مريحة، وموقع نظيف ومنظم يشعر فيه بالترحيب لا بالاستغلال.
مواطنون عبّروا عن استغرابهم من تخصيص الإنفاق على استضافة مؤثرين وتنظيم رحلات دعائية، بينما تعاني مواقع سياحية معروفة من مشكلات يومية تتعلق بالخدمات أو الأسعار أو غياب التنظيم. بعضهم قال إن مناطق مثل البترا تحتاج إلى حلول حقيقية تحفظ استدامتها الاقتصادية لأهلها، لا إلى مشاهد ترويجية مؤقتة لا تغيّر من الواقع شيئًا.
سياح زاروا الأردن أكدوا أن الانطباع الأول غالبًا ما يرتبط بالكلفة. فارتفاع أسعار الفنادق، والمطاعم، وأجور النقل السياحي، يجعل المقارنة مع وجهات إقليمية أخرى صعبة، خصوصًا عندما يجد السائح عروضًا متكاملة في دول أخرى تشمل الطيران والإقامة والوجبات بأسعار أقل من كلفة الإقامة وحدها في بعض المواقع المحلية.
أصحاب منشآت سياحية يرون أن تحميل القطاع كامل المسؤولية ليس منصفًا، مشيرين إلى أن كلفة التشغيل نفسها مرتفعة، من الضرائب إلى الطاقة إلى الرسوم المختلفة، ما ينعكس مباشرة على السعر النهائي الذي يدفعه الزائر. ويؤكدون أن أي حديث عن تخفيض الأسعار يجب أن يسبقه تخفيف الأعباء على المستثمر نفسه، حتى يتمكن من المنافسة دون خسائر.
مختصون في الشأن السياحي يلفتون إلى أن الترويج بالمؤثرين قد يكون أداة مساندة، لكنه لا يمكن أن يكون سياسة سياحية كاملة. فالسياحة صناعة متكاملة تبدأ من التخطيط وتنتهي بتجربة الزائر، وتشمل النقل، والإقامة، والبيئة، والتسويق، وحتى صورة البلد في الخارج من خلال السفارات والبرامج الثقافية والدبلوماسية.
ويطرح كثيرون تساؤلات حول دور السفارات الأردنية في أوروبا والدول الغربية، ولماذا لا يكون لها حضور أكبر في الترويج للسياحة العلاجية، والسياحة الدينية، وسياحة المغامرة، والسياحة العائلية، بدل حصر المشهد في حملات موسمية قصيرة. كما يطالب البعض بالاستفادة من الدراما والأعمال الفنية لتسويق المواقع الأردنية، عبر تصوير المسلسلات والأفلام في هذه المناطق وتحويلها إلى وجهات معروفة عالميًا.
في البترا تحديدًا، يزداد الحديث عن الحاجة إلى إنصاف حقيقي للمدينة وسكانها، حيث يرى كثيرون أن المكان لا يحتاج إلى مؤثرين بقدر ما يحتاج إلى حلول اقتصادية وتنظيمية تحفظ استمراره وتمنع تراجع الحركة فيه. فالسياحة هناك مرتبطة بحياة الناس اليومية، وليست مجرد ملف ترويجي عابر.
مقارنات عديدة تُطرح مع تجارب دول أخرى نجحت في بناء قطاع سياحي قوي من خلال الحزم المتكاملة، والعروض الموسمية، وتخفيض الضرائب على القطاع، وتقديم أسعار منافسة جعلت السائح يختار الوجهة بناءً على القيمة لا على الإعلان فقط.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نريد سياحة قائمة على الانطباع المؤقت، أم صناعة سياحية حقيقية تعيش طوال العام؟ وهل يمكن لأي مؤثر أن يعوّض نقص الخدمة أو ارتفاع الأسعار أو شعور السائح بأنه يدفع أكثر مما يحصل عليه؟
الأردن لا يعاني من نقص في المواقع السياحية، فهو يملك تاريخًا، وطبيعة، وعلاجًا، ومناخًا متنوعًا، لكنه يحتاج إلى رؤية تعتبر السائح ضيفًا يجب أن يعود مرة أخرى، لا مجرد صورة تُنشر ثم تنتهي الحكاية. فالسياحة الناجحة لا تُبنى بالكاميرا وحدها، بل بالخدمة التي تجعل الزائر نفسه أفضل مؤثر للبلد.