أخبار اليوم - عواد الفالح ـ أعاد إعلان دائرة الجمارك الأردنية عن ضبط وإتلاف عدد كبير من أعمال الشعوذة المضبوطة داخل طرود بريدية خلال الأشهر الستة الماضية، فتح باب واسع من النقاش المجتمعي حول حجم انتشار هذه الظاهرة، والسؤال الأهم: هل وصل الحال بالأردنيين فعلًا إلى استيراد السحر والشعوذة من الخارج عبر البريد؟
وبحسب ما أعلنته الجمارك، فإن هذه المضبوطات كانت تُخفى داخل طرود تحتوي على ملابس أو ألعاب أطفال أو إكسسوارات، وتُدرج بطرق تمويهية داخل الشحنات، قبل أن تتمكن الكوادر الجمركية من الاشتباه بها وإخضاعها للتفتيش، ليتم التحفظ عليها وإتلافها وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
الواقعة لم تمر كخبر عابر، وأثارت موجة واسعة من التعليقات بين المواطنين، خاصة مع تكرار الحديث عن لجوء البعض إلى أعمال الشعوذة والدجل لحل الخلافات العائلية أو الانتقام أو حتى بدافع الحسد والمنافسة الاجتماعية، وهو ما دفع كثيرين للتساؤل عن حجم هذه الظاهرة داخل المجتمع.
مواطنون عبّروا عن استغرابهم من استمرار هذه الممارسات في مجتمع يفترض أنه أكثر وعيًا وانفتاحًا، معتبرين أن اللجوء إلى السحر يعكس أزمة فكر وثقافة قبل أن يكون مجرد مخالفة قانونية، فيما رأى آخرون أن بعض البيئات ما تزال تمنح الدجالين مساحة كبيرة للتأثير على الناس، مستغلين الخوف والقلق وضعف الوعي.
ويقول متابعون إن المشكلة لا تتوقف عند من يمارس هذه الأفعال، وتمتد إلى من يصدقها ويدفع المال مقابلها، ما يجعل الظاهرة مرتبطة أيضًا بجانب اقتصادي قائم على الاستغلال والابتزاز، حيث تحولت بعض أعمال الشعوذة إلى تجارة خفية تستنزف أموال الناس تحت عناوين العلاج أو فك السحر أو جلب الرزق أو حل المشكلات الأسرية.
مختصون في علم الاجتماع يرون أن انتشار الشعوذة غالبًا ما يرتبط بضعف الوعي، وارتفاع مستويات القلق الاجتماعي، وتراجع الثقة بالحلول الطبيعية، حيث يلجأ البعض إلى تفسيرات غيبية لكل تعثر يواجههم، سواء في الزواج أو العمل أو الصحة أو العلاقات الاجتماعية.
ويشير مراقبون إلى أن الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية قد تدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن حلول سريعة مهما كانت غير منطقية، ما يفتح الباب أمام تجار الوهم لاستغلال هذه الحالة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الطلبات الإلكترونية العابرة للحدود.
ويرى آخرون أن الأخطر من وجود هذه الممارسات هو تحولها إلى أمر متداول بين بعض الناس وكأنه حل طبيعي للمشكلات اليومية، سواء داخل الأسر أو بين الأقارب أو حتى في بيئة العمل، ما يجعل المواجهة بحاجة إلى جهد مجتمعي حقيقي لا يقتصر فقط على الضبط والمصادرة.
في المقابل، يؤكد مختصون أن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بإتلاف المضبوطات، وتبدأ من المدرسة والأسرة والخطاب الديني والإعلامي، عبر ترسيخ ثقافة الوعي والعقل، وتجفيف البيئة التي تسمح لمثل هذه الممارسات بالنمو والانتشار.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام حالات فردية محدودة، أم أن المجتمع بات يواجه ظاهرة أعمق تستدعي مواجهة فكرية وثقافية حقيقية قبل أن تتحول إلى سلوك اعتيادي؟