مؤتة السيف والقلم .. حيث يتحوّل الشاب إلى عقيدة وطن

mainThumb
مؤتة السيف والقلم.. حيث يتحوّل الشاب إلى عقيدة وطن

19-05-2026 02:55 PM

printIcon

العميد الركن ( م ) صالح الشرّاب العبادي

فوج جامعة مؤتة الاول

حين أعود بذاكرتي إلى البدايات… إلى الفوج الأول في جامعة مؤتة — الجناح العسكري — لا أشعر أنني أتحدث عن سنوات دراسة، بل عن مرحلة تأسيسٍ كاملة لجيلٍ كان يُطلب منه أن يكون أكبر من نفسه، وأوسع من أحلامه الشخصية، وأكثر التصاقًا بمعنى الدولة والوطن.

كنا الدفعة التي لم تجد أمامها طريقًا معبّدًا، بل كانت جزءًا من صناعة التجربة نفسها.
الفوج الأول لا يحمل رقمًا فقط، بل يحمل رهبة البدايات، وثقل التأسيس، ومسؤولية أن يكون نموذجًا لما سيأتي بعده. ولهذا لم تكن مؤتة بالنسبة لنا جامعةً تقليدية، بل كانت مشروعًا أردنيًا لصناعة الإنسان الذي يجمع بين صلابة السيف ونور القلم؛ بين الانضباط والفكر، وبين القوة والوعي.

وفي الجناح العسكري، لم تكن المعادلة سهلة كما يظن البعض؛
فالمؤسسة هنا لا تُخرّج عسكريين فقط، ولا أكاديميين فقط، بل تُخرّج ضباطًا جامعيين يحملون العلم كما يحملون الانضباط، ويجمعون بين المعرفة الأكاديمية القاسية والتدريب العسكري الشديد.
وهذه واحدة من أعقد وأندر المعادلات في بناء الإنسان؛ أن يكون العقل حاضرًا بعمق، والجسد مدرّبًا على التحمّل، والنفس قادرةً على اتخاذ القرار تحت الضغط، والروح مشبعةً بمعنى الواجب والشرف.

كنا نعيش زمنًا تُصاغ فيه الشخصية الأردنية صياغةً كاملة؛
محاضراتٌ في العلوم والمعرفة، يقابلها ميدانٌ يختبر الصبر والإرادة والانضباط.
ففي النهار طالبُ علم، وفي الميدان مقاتلٌ يتعلّم كيف يضبط أعصابه قبل خطواته، وكيف ينتصر على ذاته قبل أيِّ شيء آخر. ولهذا لم يكن خريج مؤتة العسكري مجرد حامل شهادة، بل مشروعَ قائدٍ يعرف كيف يفكر، وكيف يواجه، وكيف يتحمل المسؤولية حين تتراجع النفوس الضعيفة.

في تلك السنوات، كنا نتعلّم أن العسكرية ليست استعراضًا للقوة، بل تربيةٌ أخلاقية قبل كل شيء.
كنا نفهم أن الوقوف في الطابور ليس حركة جسد، بل تدريبٌ عميق على احترام الدولة والنظام والوقت والواجب. وأن التحية العسكرية ليست إشارةً باليد، بل إعلانُ ولاءٍ لشجرةٍ اسمها الأردن، ضاربةٌ جذورها في التاريخ والدم والتضحيات.

ومع مرور الزمن، أدركت أن أعظم ما فعلته مؤتة فينا أنها لم تُخرّجنا كأفرادٍ يبحث كلٌّ منا عن ذاته فقط، بل كوّنت في داخلنا “العقل المؤسسي”؛ ذلك العقل الذي يفهم معنى الفريق ، وهيبة المؤسسة، وقدسية المسؤولية. ولهذا انتشر أبناء مؤتة في الجيش والأجهزة والمؤسسات وهم يحملون سلوكًا مختلفًا، لا لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأنهم تربّوا في مدرسةٍ كانت ترى في الانضباط هوية، وفي الوطن عقيدة.

واليوم، وأنا أتابع تخريج الفوج الرابع والثلاثين، أشعر أن الزمن لم يهزم مؤتة.
ما زال ميدان “السيف والقلم” يُخرّج رجالًا يعرفون أن الأردن ليس جغرافيا فقط، بل فكرةُ صمودٍ تاريخية في منطقةٍ تموج بالفوضى والانهيارات. وما زالت هذه المؤسسة تُعيد إنتاج المعنى الحقيقي للدولة الأردنية؛ دولة الاعتدال، والكرامة، والانضباط، والوعي.

وحين يرعى سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني هذا التخريج، فإن المشهد يتجاوز الاحتفال إلى ما هو أعمق؛ إنه تجديدٌ للعهد بين القيادة وجيلٍ جديد من أبناء المؤسسة العسكرية والفكرية، ليبقى الأردن واقفًا على قدميه مهما تبدّلت الخرائط واضطرب الإقليم.

سلامٌ على مؤتة…
لا بوصفها جامعةً فحسب، بل بوصفها أحد الحصون المهمة التي ما زالت تؤمن أن بناء الإنسان هو أعظم من بناء الحجر، وأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها الوعي أيضًا.

وسلامٌ على كلِّ من مرّ من بوابة الجناح العسكري،
وحمل بعد تخرّجه رتبةً على كتفه، ووطنًا كاملًا في قلبه.